المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ناصر حامد أبوزيد Headshot

الشك أم اليقين؟

تم النشر: تم التحديث:


إننا كبشر نحب أن نحس بأننا على صواب ونصدّق أي شيء يدعم قناعاتنا ولا نستمع إلى أي صوت يُظهرنا أننا على خطأ.

فنحن مثلاً نحب أن نصدق بأن مجموعة من الأشجار قد شكلت "شهادة التوحيد" ونصم آذاننا عن كل من يحاول إقناعنا بأنها مجرد فوتوشوب

إذا سألتك: كم الساعة الآن؟ فسوف تنظر في ساعتك ثم تجيبني، ولو سألتك: هل الوقت الآن نهار أم ليل، فسوف تنظر إلى الشمس ثم تجيبني، ولو سألتك: كيف تعرف الشهر؟ فسوف تقول: كلما ظهر القمر يعد ذلك شهراً، ولو سألتك: كيف تفرق بين الأعلى والأسفل؟ فسوف ترفع حجراً وتلقيه فيتجه إلى الأسفل بفعل الجاذبية، ولو سألتك: أين الاتجاهات الأصلية؟ فسوف تنظر إلى البوصلة ثم تجيبني.

إنك لا بد أن تستند إلى شيء كي تتثبت شيئاً آخر. ولكن، ماذا يحدث إذا كان الشيء الذي تستند إليه غير دقيق أو غير حقيقي. ستقول: كيف ذلك؟

لنفرض أنك تعيش في الفضاء، وسألتك الأسئلة نفسها:
كم الساعة الآن؟ فستقول إن عدد الساعات يختلف حسب الكوكب الذي تعيش عليه (اليوم على كوكب الأرض 23.93 ساعة، المشتري 9.83 ساعة، زحل 10.25 ساعة، أورانوس 17.25 ساعة، نبتون 16 ساعة، بلوتو 6.4 يوم أرضي).

أما الليل والنهار، فالفضاء مظلم؛ لأن أشعة الشمس التي تسبح في الفضاء لا تشع نوراً إلا على الأرض فقط؛ بسبب الغبار المنتشر في الغلاف الجوي. كما يصعب تحديد الشهر؛ لأن المشتري "مثلاً" لديه 63 قمراً، بينما عطارد ليس لديه أقمار.

الاتجاه لأعلى أم لأسفل غير معروف؛ نظراً إلى انعدام الجاذبية، فضلاً عن أن مفهوم أعلى وأسفل غير حقيقي بالأساس، فلو قارنت نفسك بإنسان في الجانب الآخر من الأرض، فقد تكتشف أنك معلَّق من قدميك ورأسك لأسفل، وإنما الجاذبية الأرضية هي من تعطيك هذا الإحساس الخادع بأن رأسك لأعلى وقدمك لأسفل. كما أن الاتجاهات الأصلية غير معروفة؛ نظراً إلى عدم وجود مجال مغناطيسي.

إذن، السؤال الذي يطرح نفسه: ما الحقيقي أو الموجود وما هو غير ذلك؟ ولماذا أنا مطمئن ومتأكد مما أستند إليه؟

إننا كبشر نحب أن نحس بأننا على صواب ونصدق أي شيء يدعم قناعاتنا ولا نستمع إلى أي صوت يُظهر أننا على خطأ.

فنحن مثلاً نحب أن نصدق بأن مجموعة من الأشجار قد شكلت "شهادة التوحيد" ونصم آذاننا عن كل من يحاول إقناعنا بأنها مجرد فوتوشوب.

على مدار التاريخ، لم يقتنع أصحاب العقول بالحقائق من حولهم، وأعملوا الفكر فيها إما لإثباتها وإما لنفيها.

لقد قال أرسطو إن جميع الكواكب والنجوم تدور حول الأرض؛ لأنها مركز الكون.

ولو قنع غاليليو بما قاله أرسطو لما اكتشف أن الأرض هي التي تدور حول الشمس.

ولو قنع نيوتن بتفسير غاليليو للسقوط الحر للأجسام لما اكتشف قانون الجاذبية الأرضية.

ولو قنع أينشتاين بتفسير نيوتن للجاذبية، لما اكتشف أن الجاذبية سببها انحناء النسيج الكوني بسبب أوزان الكواكب، أو ما سماه انحناء الزمكان "الزمان/المكان".

هذه أمثلة على المستوى الدنيوي، قس ذلك على المستوى الديني:

فلو قنع سيدنا سلمان الفارسي "الباحث عن الحقيقة" بمذهب أبيه وأصبح خادم النار لما انتقل إلى المسيحية، ولو قنع بالمسيحية لما اهتدى إلى الإسلام، وعانى في سبيل الحقيقة ألم الغربة والعبودية.

ولو اطمئن سيدنا عمر بن الخطاب بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال له: "لو سلكت وادياً لسلك الشيطان وادياً آخر"، لما سأل حذيفة بن اليمان: هل أنا من المنافقين؟

ولو اطمئن سيدنا أبو بكر الصديق بذكره في القرآن: "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"، لما قال: "لو أن إحدى قدميَّ في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله".

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان، هو اطمئنانه لما هو مقتنع بأنه صواب، ورفضه فحص وتمحيص هذه القناعة خشية أن يكون على خطأ.

ولكن الله -سبحانه وتعالى- يدعونا إلى أن نتفكر في كل شيء من حولنا في الكون وفي الدين وفي أي شيء "أفلا يتفكرون، أفلا يتدبرون، أفلا ينظرون، أفلا يعقلون".

ألم نرَ أتباعاً لمصلحين وقد اطمأنوا إلى أنهم على الحق، فإذا هؤلاء المصلحون ينقلبون 180 درجة؟ ألم نر حقائق تبدلت إلى أوهام، وأوهاماً تبدلت إلى حقائق؟

إذن، لا ينبغي أن يكون هناك حدود ولا خشية من استخدام العقل بتاتاً في تفنيد أي شيء ومراجعة قناعتنا كافة "باستمرار"، فإما أن تكتشف أنك كنت على خطأ فتصحح، وإما تتأكد أنك على صواب فتثبت.

ولو عدنا مرة أخرى إلى موقعك وأنت معلق في الفضاء، وسألتك: كيف تعرف أنك تعتقد العقيدة الصحيحة "مثلاً"؟ كيف تتأكد من ذلك وأنت بلا أي دليل ولا وحي تستند إليه إلا عقلك؟

إن أبرز قصة أحب أن أسردها لإثبات أن العقل وحده "مع الفطرة السوية" يكفيان أن يهديا الإنسان إلى الله، هي قصة العالم الذي التقى الدكتور زغلول النجار في أحد المؤتمرات فأهداه الدكتور زغلول ترجمة للمصحف الشريف.

وفي اليوم التالي، قابله هذا العالم وسأله: "كيف أستطيع الدخول في الإسلام؟".

فسأله بدهشة: ما الذي قرأته في ليلة واحدة جعلك تقتنع بدخول الإسلام؟

قال قرأت سطراً واحداً في صدر المصحف، وهو "ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه"، ثم أغلقت المصحف وجلست أتفكر، فتذكرت أنني إذا كتبت بحثاً، وتركته وعدت إليه بعد عدة ساعات لوجدت عدة أخطاء تحتاج إلى تعديل، وكلما تركته أكثر وجدت أخطاء أكثر، فما بالك بكتاب يتصدره هذا التحدي منذ أكثر من 1400 عام، ولم يستطع أحد أن يجد فيه خطأ واحداً، إن هذا الكتاب بالتأكيد ليس صناعة بشرية من نبي "أمي"؛ بل هو صناعة إلهية.

إذن، فهذا العالِم قد اهتدى بالعقل قبل "النقل"، عندما استوت فطرته، وأحسن استخدام أجهزة الاستقبال لديه.

فكما أن اشعة الشمس تسبح في الفضاء فلا تضيء من كل هذه الكواكب شيئاً إلا كوكب الأرض فقط؛ لأنه مهيأ لذلك دون غيره، فإن نور الله لا يضيء من القلوب شيئاً إلا القلوب المهيَّأة لذلك "دون غيرها"، فتتأثر بالقرآن، وتشع بحب الرسول صلى الله عليه وسلم وتقتدي به، فهو الذي يبصرك بالحق فتراه حقاً ثم تتبعه. "ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور". "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم". فإذا لم تسعَ لتتعرض لذلك النور فلن تهتدي. فالفعل من الله والثواب لك.

ويعنّ لي أحياناً أن أُعمل عقلي وأتساءل "كمسلم": لو أن سيدنا سلمان الفارسي في رحلة بحثه عن ذلك النور، لو أنه توفي وهو في مرحلة اعتقاده في المسيحية وقبل أن يسلم، ما هو مصيره في الآخرة؛ في الجنة أم في النار؟

أنا أظن -والله أعلم- أنه لو حصل ذلك فسوف تشفع له نيته وسعيه الحثيث للتعرض لذلك النور، ولكان من أهل الجنة، قياساً على الرجل الذي قتل مائة نفس ثم خرج يريد البلدة التي يعيش فيها الصالحون فمات في الطريق، فإذا به يدخل الجنة وهو لم يصبح من الصالحين بعد، ولكن نيته أنقذته. فنية الإنسان خير له من عمله.

2017-12-27-1514333622-3738672-BuUq286CAAAgdvg.jpg

الخلاصة:

إنه يتوجب علينا أن نُعمل العقل، ونكون في بحث دائم عن الحقيقة، ونشكك ونفتش ونمحص كل المسلّمات.

كما يتوجب علينا أن ندعو الله أن نكون على الحق، وإن لم نكن فإننا ندعوه أن يهدينا ويبصّرنا بالحق وأن يثبتنا عليه، وألا يفتننا في ديننا ولا دنيانا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.