المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ناصر الموسى Headshot

صورة لوجه ابن سينا بشحمه ولحمه!

تم النشر: تم التحديث:

كنت قد فرغت تواً من كتابة مقال لأحد المواد الجامعية, الليل في منتصفه وجامعة "سانت إدوارد" قد غشاها سواد من الليل مطبق وخلت ساحاتها من كل صوت إلا صوت نسائم خريفية خفيفة كانت تباريني عن يميني وشمالي.

لم أشأ أن أذهب إلى شقتي التي تقع في وسط المدينة, فقد جمح بي شوق معرفي للتحقق من مسألة تخص الشيخ الرئيس "ابن سينا", وهي مسألة الفلسفة المشرقية التي أثارها بعض الباحثين قبل زمن ليس ببعيد... وخلاصتها أن ما لدينا من كتبه لا يرسم صورة حقيقية لفكره، بل ربما يرسم صورة مشوهة ومخالفة كل المخالفة للحقيقة.

وقد ذكر "ابن سينا" نفسه في إحدى مقدمات كتبه أنه يشرح فلسفة المشائين - فلسفة أرسطو وغيره- ولا يعتقد بها، ومن أراد أن يعرف حقيقة رأيه فعليه بكتاب الفلسفة المشرقية، وقد يُفهم من اسم الكتاب أنه متعلق بفلسفة التصوف والروحانيات، لكن ويا للأسف ضاع ولم يبق منه إلا مقدمة بسيطة في المنطق طُبعت بواسطة المكتبة السلفية سنة ١٩١٠ باسم "منطق المشرقيين" ثم طبعت مرة أخرى على يد المستشرق البارون كارا دوفو.

ولأجل ذلك الشوق المعرفي، نكبت عن ذكر الراحة جانباً، ونصبت حر جبيني لمكتبة الجامعة المركزية التي تزخر بالكتب والمجلات والدوريات من لغات عدة, لعلي أن أجد فيها ما يفتح لي مغاليق هذه المسألة.

وبينما أنا أقلب ناظري في أسماء الكتب والمجلات التي تناولت فلسفة ابن سنيا وسيرته الذاتية, إذ استوقفني هذا العنوان " كيف كان وجه"ابن سينا" , استغربت وجود هذا العنوان في إحدى المجلات العلمية المختصة بالقلب, قرأت المقال فإذا بابن سينا بشحمه ولحمه - ليس مجازاً بل حقيقة - مصوراً أمامي وكأنه قد عاش في عصر الكاميرات. انثالت علي الأسئلة، كيف صوروه؟ أهذا حقيقة أم كذب واستغفال؟... ثم قلت لنفسي فيم التساؤل وهذه المقالة أمامي... فلأقرأها!

وسوف أعرض هذه المقالة لأهميتها العلمية ولعدم إشارة الصحافة العربية إليها - فيما أعلم- لا من قريب ولا من بعيد, وإليكم ما جاء فيها:

قررت سلطات مدينة همدان الإيرانية في سنة 1949 تجديد ضريح "ابن سينا" ، فأخرجت جثمانه وكذلك جثمان أبي سعيد أبي الخير الشاعر الفارسي المشهور الذي كان مدفوناً بجانبه، فُحص الجثمانان وصورا ووضعا في صناديق مختومة بالشمع حتى إذا تمت أعمال البنيان أُعيدا إلى مكانهما.

بقيت هذه الصور أكثر من خمسين سنة دون أن يلتفت إليها أحد من العلماء حتى جاء فريق من جامعة دندي البريطانية فأخذ الصور ثم أعاد بناء الوجه على أساسها. يقول الفريق، "توفرت لدينا نسخة رقمية لصورة بالأسود والأبيض للجانب الأيمن من الجمجمة, يُعتقد أن عمر الصورة أكثر من خمسين سنة, وهي في حالة جيدة مع وجود صعوبة في تبين التفاصيل الدقيقة"

قام الفريق في البداية برسم النسيج العضلي على الوجه, ومعروف أن العضلات تأخذ المواضع نفسها عند كل إنسان مع اختلاف بسيط يرجع سببه لتفرد جمجمة كل أنسان, ثم قام برسم تفاصيل الوجه: شكل الأنف والشفتين والعينين بما يناسب هيئة الجمجمة.

2016-03-25-1458868374-9631145-02.jpg
(خطوات إعادة بناء الوجه بدءاً بالعضلات وانتهاء بتفاصيل الأنف والعينين)

حدد الفريق شكل الأنف بواسطة معادلات رياضية لحجم فتحة الأنف في الجمجمة، وحدد شكل الجفنين والحاجبين بالقياس إلى هيئة عظمتي ما فوق الحجاج. وحدد شكل الشفتين بالقياس إلى هيئة انطباق الفكين وارتفاع مينا الأسنان. وحدد شكل الأذن وشحمتها غير الملتصقة بمساعدة الهيئة الجمجمية للصماخ السمعي الخارجي. وأخيراً قام الفريق بإعادة بناء الجلد وشعر الوجه على حسب البنية العضلية للوجه.

وقد يراودنا الآن سؤال مهم: ما دقة هذه الصورة؟ يقول مركز التشريح بجامعة دوندي إنه قام بإعادة بناء الوجه لحالات مختلفة وكثيرة وكان معدل الدقة في جميع الحالات ٦٥ في المئة.

وها هي الصورة النهائية التي قام الفريق برسمها، طبعاً هي ليست مطابقة تماماً للوجه الحقيقي ولكن -كما يقول الفريق- حسبها من المشابهة له أنها لو رآها أحد أقاربه لانصرفت دلالة الصورة في ذهنه إلى شخصية الشيخ الرئيس "ابن سينا" .

2016-03-25-1458874986-7834870-01.jpg

وأما مسألة الفلسفة المشرقية، فلا أظن في مقدور أحد الآن أن يخرج برأي قاطع فيها، ولسوف تبقى الآراء كلها ظنية إلى حين العثور على الكتاب المفقود، وعسى آن يكون ذلك قريبا.

المصدر: Internationale Journal of Cardiology, Volume 167 (2013), pages 1660-

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.