المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ناصر الموسى Headshot

ردوا على الضاد عباءتها

تم النشر: تم التحديث:

تدقيق: رزق

رُدّوا على الضاد عباءتها

نفهم من آثار الكتابات المكتشفة في الجزيرة العربية أن اللغة الفصحى التي نتكلم بها اليوم تعود إلى أكثر من ألف وسبعمائة سنة، وهذا لا يعني أن هذا هو عمرها، وإنما قصارى ذلك أن يعني أنه كان يُتكلم بها في ذلك الزمن، وأما اللهجات العربية الجنوبية القديمة فهي تعود إلى عصور موغلة في القدم، ويرجح علماء الساميات أنها هي والفصحى تحدرت جميعاً من أرومة واحدة، ويستدلون بذلك على التشابه فيما بينها في الأفعال والأسماء والضمائر.

إذن هي ألف وسبعمائة سنة على أقل تقدير، ولعمري إنه وقت مديد، سحيق، هائل، كأن الناظر من هذا القرن إلى أوائل القرن الرابع يطل على هاوية ظلماء لا قرار لها تتلاشى فيها الآباد وتتهاوى فيها الحضارات والأجيال، لا يملك الناظر إلا أن تدور به الأرض، ويحس بلوعة حارقة ورهاب غير معقول من هذا الثقب الأسود الذي لا ينفك فاغراً فاه يبلع الأشياء والناس والأزمان ثم لا يجد من كل ذلك شبعاً فيطمع في المزيد إلى غير انتهاء، ثم إن الناظر سيزداد دواره حين يسمع هسهسات بلغة مألوفة تنبعث من أعماق تلك الهاوية المخيفة، فيطفر إلى رأسه سؤال لا مناص منه: كيف تبقى لغة حية طوال هذه القرون وبغير أن يعتورها تغير يمنع أبناءها من الفهم؟

لقد تجاوزت "العربية" مخاطر كثيرة منذ أن فاضت عن الجزيرة العربية، وانساحت في البلدان التي تهيمن عليها لغات الأمم الأخرى. ولا شك أنها لا تزال تواجه مخاطر عدة في القرن الخامس عشر الهجري... غير أن أشدها خطراً إنما يأتي ممن يضرها من حيث يقدر أنه يحميها، فمثله كمثل الأب الذي يحبس ابنه في المنزل؛ لأنه يخشى عليه مخاطر الحياة حتى إذا اضطرته فيما بعد إلى مواجهتها ألفى اليد موهونة القوة والعظم كسيحاً لا يقوى على رد الضربات فضلاً عن تسديدها.

نعم، قد يشدد بعض الناس في قبول الكلمات الدخيلة ويعدها خطراً كبيراً على اللغة، ولا يدري أنه يضرها بحسن نية، وهو مع ذلك محق في بعض رأيه؛ إذ ليس من الصحة أن يبلع الإنسان صنوف الطعام دون ضابط، وكذلك ليس من صالح اللغة أن نفرط في تلقيمها كل شاردة وواردة من الكلمات، غير أن حيوية اللغة تقتضي أحياناً أن تستوعب بعض الكلمات الأجنبية التي اكتسبت دلالة قوية على أشياء جديدة وإن كان لها مرادفٌ مهمل في العربية، وهذا هو ما فعله العرب قديماً؛ فقد استعملوا النرجس وهي أعجمية وتركوا مرادفها العربي "العبهر" واستعملوا الرصاص وتركوا الصرفان، واستعملوا الخيار وتركوا القثد...

دعك من الكلمات الدخيلة، ولكن الخطر كل الخطر في تعريب الأساليب الأجنبية وتراكيب اللغات الأوروبية؛ لأن ذلك يوسع الفجوة التي تفصل لغة الكلام اليومية عن الفصحى؛ فإن ما يشعر به الإنسان العربي اليوم من انفصام في الشخصية اللغوية، وسخرية مكتومة من نفسه إذا تحدث بالفصحى، إنما هو بسبب ذلك التعريب. وأصابع الاتهام تتجه إلى المترجمين الذين كانوا لا يحسنون العربية وأساليبها وتراكيبها وبنية جملها وإنما كانوا يحسنون اللغات التي يترجمون كتاباتها حرفياً على نحو غريب عن اللغة وروحها.

ونجتزئ بمثالين يوضحان مرادنا؛ فجملة "حظاً سعيداً" التي نقرؤها كثيراً نجدها غريبة على أسماعنا، بعيدة من شخصيتنا، حتى إن الرجل الصادق مع نفسه، إذا قالها جاداً، لا يملك إلا أن يضحك من هذا الزيف والتمثيل. والراجح أن هذه الجملة تسربت من أقلام المترجمين؛ إذ إنهم حين وقفوا على جملة "Good Luck" لم يعرفوا جملة تؤدي معناها في العربية، فتخلصوا من هذ الحرج بالترجمة الحرفية، ولم يحاولوا أن يسألوا أنفسهم عن الكلام الذي يقال عادة في لغتنا العربية حين يهم أحدهم بالسفر، أو الذهاب إلى اختبار أو عمل، ولا أعتقد أن لغة تخلو في تلك المناسبات من مثل هذه الجمل، وما أكثرها في العربية! فلو سألوا أنفسهم لوجدوا الجواب ميسوراً، فنحن نقول في تلك الحالات: في رعاية أو حفظ الله، أو وفقك الله أو بالتوفيق أو موفق، أو حفظك الله، فهذه الجمل أحق بالترجمة من "حظاً سعيداً"؛ لأنها فصيحة ومتداولة ولها وقع في النفس لطيف لا يبعث على الضحك ولا يُشعر بالانفصام.

أريدك أيها القارئ أن تقرأ هذه الجملة "حينما أسمع الشعر، أطرب"، ثم اقرأها هكذا "إذا سمعت الشعر طربت" أو "إن أسمع الشعر أطرب" أو "لما سمعت الشعر، طربت"، ألا تشعر أن الجملة الأولى متكلفة، بل مزيفة؟ وأن الجمل الأخرى قريبة منك مألوفة لا ينبو عنها سمعك؟ إن "حينما" بهذا الشكل لم تعرفها العرب في فصيح كلامها ولا هي مستعملة في لهجاتنا العامية، ولم أجدها -فيما أعلم- لا في القرآن ولا في الشعر القديم ولا في الكتب القديمة، إنما المستعمل منها هو الظرف "حين" بغير "ما" الزائدة، على أن الظرف "حين" يبدو مألوفاً جداً إذا جاء مجرداً من "ما".

وأما "لما" و"إن" و"إذا" فهن فصيحات بلا شك، مستعملات في اللهجات العامية، غير مستهجنات، يعبرن عنا من غير أن يشعرننا بالزيف، أو الفصام. باختصار؛ هن يشبهننا لأنهن من فصيح اللغة ولأنهن مستعملات في عاميتنا التي نتحدث بها أغلب أوقاتنا.

ومن البديهي، أنني لا أدعو إلى إدخال الكلمات العامية إلى الفصحى بلا ضابط، ولكن كل الذي أدعو إليه أن نستعمل الكلمات الفصيحة المتداولة في لهجاتنا -وما أكثرها!- لنخفف من حدة الانفصام في الشخصية اللغوية، ونشعر أنها تعبر عن ذواتنا بغير تكلف ولا تمثيل.

إن الإنسان العربي يقع في نفسه شك كبير من لغته العامية، ويعتقد أنها لغة أخرى لا تمت إلى الفصحى بصلة، ويستغرب -بعضهم- إذا كشفت له الأصل الفصيح للكلمات العامية، والحقيقة أن هذا الاستغراب أدعى للعجب، فما العامية إلا ابنة شرعية للفصحى، ما اخترعناها ولا جاءت من العدم! إن كل الذي أدعو إليه أن نخلع عن لغة الضاد بنطال الجينز الذي ألبسها إياه المترجمون، ونرد عليها عباءتها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.