المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ناصر الموسى Headshot

طواويس الثقافة!

تم النشر: تم التحديث:

بسيط، مثير، مثقل بالمعلومات! يجمعها بكبسة زر، ينسقها، يعلبها، يغلفها، ثم يقدمها كبسولةً ثقافية.. تُبلع، ثم تُنسى، فيعود مرة أخرى، يجمع ويكبسل ويعلب.. ويقول في سره، إذا كانت العضلات تُنمّى بكبسولات، والفحولة تُستعاد بكبسولات، فلماذا لا تُكبسل الثقافة!

إنه مهموم بقضية التنوير، يُرخص الغالي في سبيلها، ويرى أن الفرق بينه وبين مثقفي القرون البالية، أنهم كانوا طبقيين في نشر المعرفة فلا يُطلعونها إلا لمن يثني لهم ركبتيه سنين طوالاً، ثم ماذا؟ ثم يخرج ذلك المسكين بعد تلك السنين ليقول للناس: أنا تلميذ فلان!

أما هو، فإنه يُلقي علومه على الكبير والصغير والغني والفقير، كالغيث يهمي فيصيب الناس والشجر والحيوان، ويُحوِّل الناس إلى مثقفين بكبسولتين سريعتي التحضير فوريتي المفعول.

لقد أسدى هو وأمثاله إلى البشرية جميلاً عظيماً يوم بطحوا الثقافة لجميع الناس، أقصد يوم جعلوها كبسولة يستطيع كل إنسان أن يتجرعها بعد أن كانت حكراً على فئة القارئين، فكأن تاريخ الفكر البشري كان يمهد طوال دهوره الماضية، بكل عباقرته وأبطاله، لمجيء هذه اللحظة المباركة التي يكتسح فيها هؤلاء ساحات الثقافة، ويرمون بالكبسولات هنا وهناك.. فيا لها من لحظة!

ولمَ لا يكونون غاية تاريخ الفكر البشري، وقد حباهم ربي نعماً كثيرة؟ فعلى السبيل المثال لا الحصر، أنعم عليهم بالقبول من كافة طبقات المجتمع من دكاترة ورجال أعمال ومثقفين وبسطاء وعجائز وشباب وفتيات، وذلك ما لم يتأتَّ لمثقف من قبل.

ثم إنه سبحانه حباهم جمال العقل والشكل والفكاهة والعضلات، فسبحان من جمع ما لا يجتمع! إذ معقول أن يكون الإنسان مثقفاً ويكون قبيح الوجه، أو مثقفاً وسيماً ويكون ضعيف الجسم أو ثقيل الدم أو مكروهاً من قبل المجتمع، أما أن يكون مثقفاً وسيماً مفتول العضلات خفيف الظل مقبولاً من الناس كلهم فهذا هو العجب العجاب!

وليس طريق أحدهم إلى الشهرة بأصعب من طريقه إلى الجنس الآخر، فما عليه إلا أن يُسوِّق سلعته الثقافية باتّباع آخر صيحات الموضة في اللباس، وقصات الشعر واللحية، وبأن يُلقي في سناباته (سناب شات) بعض الكلمات الكبيرة والمبهرة: كالحداثة، العقل الجمعي، جرير، نزار قباني، مع قليل من المعلومات كأصل عيد الفلانتاين وقصة صاحب سلسلة مطاعم كنتاكي.

وهكذا يكون - أجاره الله من الحسد - قد جمع بين جمال العقل والشكل، وكسب عدداً لا بأس به من المتابعين خصوصاً من الفتيات، وجمَع لديه العناصر المطلوبة لتنمية رأس المال، ولم يبقَ إلا أن يختم كل حديث له بدعاية ليدخل عالم الثروة من أوسع أبوابها كما دخل عالم الشهرة من أوسع أبوابها!

تجربة مروعة، مثيرة، سريالية، هي أن تتفرج على حساب أحدهم في سناب شات، ستجده يبدأ بإلقاء التحية وخلفه مكتبة غاصة بالكتب، ثم يسرد تاريخ وقعة عمورية... وأنت تتابع، ستتداخل في مخيلتك الرؤى بين شخصية صاحب السناب وشخصيات المعركة وأشياء أخرى، فترى هذه الأشياء: سيوفاً مرهفات تهوي على الأعناق، قميصاً وردياً من ماركة لاكوست، أبا تمام وهو ينشد أمام الجموع قصيدته العصماء في بطولة المعتصم، شَعراً مسرحاً يلمع فيه ال"جِل" كالذهب، أبطالاً على صهوات الخيل وهم يتقحَّمون الصفوف ومن فوقهم عجاج أطبقَ على الخافقين، لحية خفيفة على بشرة بضة ناعمة محددة بدقة عجيبة، عمورية وقد تناثرت حواليها الجثث وتصاعد منها الحريق وصوت البكاء والعويل، شطائر برجر تتطاير في الهواء، فتقف في ذهول، برجر! ثم تستوعب أنه ختم حديثه بدعاية لأحد المطاعم!

إن كانت المعلومات هي الثقافة، فإن ويكيبيديا أعظم مثقف عرفه التاريخ. كلا، إن الثقافة ليست هي المعلومات وحسب؛ لأنها حينئذ تتحول إلى شظايا متناثرة ومرايا متكسرة، فما فائدة المعلومات الفضفاضة بغير منهج ينظمها، بغير طريقة تفكير في النظر إلى الأشياء، أو بغير مقدرة على نزع الكليات من الجزئيات كما يقول فلاسفة العرب الأقدمون؟

كم صدق الشاعر الإنكليزي إليوت حين قال: "أين الحكمة؟ لقد أضعناها في المعرفة. أين المعرفة؟ لقد أضعناها في المعلومات"، ولكن أين الإنسان يا إليوت؟ هل أضعناه في كل ذلك؟ وهل الأمر كما ذكر أخوك الشاعر العربي صاحب المعرة:

وبصير الأقوام مثل أعمى فهلمُّوا في حندس نتصادم!

كلا يا صاحبَيَّ الشعر، فإن الإنسان لن يضيع، ولو كان مقدر له ذلك لضاع في عصور ما قبل التاريخ المظلمة حين كان يصطدم في حنادس الجهل ودياجير التخلف، وأما وقد نجا منها، وعاش لهذه اللحظة بهدي العلم أو الدين أو بكليهما، فإنه لن يضيع، وليتصادم من يتصادم...!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.