المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ناصر الموسى Headshot

هل كانت ستقتل السوشيال ميديا المتنبي؟

تم النشر: تم التحديث:

كنت جالساً مع صاحبي في أحد المقاهي الواقعة بشارع جوادالوب في مدينة أوستن، وكانت النسائم الربيعية تحمل شيئاً من شذى زهور الليلك وقليلاً من موسيقى خافتة تأتي من مكان بعيد. سألني صاحبي وهو يمد يده ببطء إلى كوب الشاي: كم شخصاً تعرفه يغمض جفنيه على الجوال حين ينام ويفتحها عليه حين يستيقظ؟

ومضى في حديثه دون أن يمهلني للإجابة: كان طيف الحبيب -يا صاحبي- هو آخر ما يخطر ببال العشاق قبيل المنام، وهو كذلك أول ما يرِدُ أذهانهم عند اليقظة. أما الآن، فإن الأطياف الزرقاء والسماوية والصفراء: أطياف الفيسبوك والتويتر والسناب شات وغيرها من برامج التواصل قد حلت مكان أطياف العشاق، وأطلق ضحكة مليئة بالسخرية!

بتكتيك عسكري -لا أعرف مدى نجاحه أو حتى فشله- واجهت هذه السخرية بنقيضها فقلت له وأنا أصطنع الجد: إنني لست ألوم وسائل التواصل الاجتماعي على انقراض أطياف أولئك العشاق، بل إن الذي اخترعها وأساء استعمالها أحق باللوم والعتاب. ثم إن فوائدها تشفع.. فقاطعني: لا شيء يشفع لأضرارها الكثيرة، وإني لأعرف أن لها فوائدَ لكنها جد قليلة. إن وسائل التواصل الاجتماعي مضرة بطبعها، فهي كالمخدرات تعطينا الراحة المزيفة أو الفرحة العابرة، غير أنها لا محالة تقتلنا ببطء.

وما الذي يشفع لها و قد قلصت مساحتنا الخاصة، وسهلت عملية ترويج الشائعات والفضائح، وفصلتنا عن الواقع، وأضعفت علاقاتنا الإنسانية، وصعبت علينا التمييز بين العلاقات ذات المعنى التي نكونها في عالم الواقع وبين العلاقات السطحية التي نكونها في العالم الرقمي.

فقلت له: بل إنها كالأدوية، مفيدة بطبعها، سوى أنها قد تضر عند سوء الاستعمال. فهي أفادتنا في تبادل الأخبار، وسهلت علينا الوصول إلى مصادر المعرفة والعلوم، وأطالت عمر الكثير من صداقاتنا وقوتها، وربما جعلتنا نعرف عن أصدقائنا هوايات واهتمامات وجوانب من شخصيتهم لم نكن لنعرفها، ثم إنها علمتنا كيف نكتب بإيجاز ونصور باحتراف..

فصرت كلما أتاني صاحبي بعيب أتيته بمنفعة، حتى أطرق قليلاً ثم التفت إلي وقال: إني راضٍ بكل ما قلت، وقد حاميت أنت عنها حين كان ضررها مقصوراً على الغير فبلغ الجهد منك كل مبلغ، فكيف ستطيق جهد الدفاع عنها إذا قلت لك إن ضررها لم يقتصر على الغير، وإنما طال حتى العلاقة التي بيننا وبين أنفسنا! فنحن صرنا لا نكاد نعرف أنفسنا لأننا ببساطة لم نعد نجد وقتاً كافياً للخلوة بها، والخلوة لا شك أساس العرفان.

ألم يقل سقراط "أيها الإنسان، اعرف نفسك" ولكن لماذا؟ لأن معرفة النفس تعيننا على أن نتعرف على مواطن قوتنا ومواطن ضعفنا، على مواهبنا وهواياتنا، ولأنها الفسحة الغنية من الوقت التي نتأمل من خلالها في الحياة ونراجع فيها سلوكنا ونضع أهدافنا، وهي كذلك الفسحة الغنية من الوقت للفرح العلوي إذ نستمتع فيها بالرسم ونكتب الشعر ونركب الخيل ونمارس شتى أنواع الرياضة والفنون.

ولن أعدو الحق إن قلت لك إن الخلوة هي صاحبة الفضل في كل ما نقرأه من قصائد بديعة وروايات مشوقة وفي ما نراه من تماثيل مبهرة ورسوم بارعة وفيما نسمعه من موسيقى آسرة وأغانٍ رائقة. أرأيت -يا صاحبي- لو كان المتنبي في هذا العصر، أكان سيتوفر له -مع وجود كل هذه المُلهِيات- وقت كافٍ يسمح له بإبداع أشعار تشبه في الرقي والعبقرية تلك الأشعار التي بين أيدينا اليوم؟ ولو افترضنا -يا صاحبي- أنه أبدع أشعاراً عظيمة في هذا العصر، فمن سيستطيع أن يخرجها من هذا الركام الهائل من القصائد التي ملأت قنوات التلفاز ومواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والمذياع حتى أشكل على كثير من الناس أن يميزوا غثها من سمينها. قل لي من سيستطيع إخراجها من تلك الأكوام ويعزز ثقته بنفسه ويبين له مواهبه وعبقريته؟ إن ذلك لشبيه بالبحث عن إبرة في كومة قش. صدقني لو كان المتنبي معاصراً لنا لقتلته تلك البرامج ولاندثر ذكره، ويا للأسف كم من مبدع من أبناء هذا العصر لاقى المصير نفسه بسبب عدم تلقيه التشجيع اللازم؟

فقلت له: هل تظن أن المواهب ستندفن وأن الحاضر لن يؤهل بعد الآن رجلاً كالمتنبي كي يكون شاعراً؟ وهل تعتقد أن عصر العظماء والمبدعين قد انتهى بلا عودة وأن عصر أشباه العظماء وأشباه المبدعين قد جاء لا لشيء سوى أن الناس لم تعد تجد بسبب تلك البرامج وقتا كافياً للخلوة والإبداع؟ كلا يا صاحبي، إن المبدع الحقيقي لا يترك كتابة الشعر أو الرسم أو العزف أو البحث العلمي لأجل تصفح الفيسبوك أو مشاهدة قصص أصدقائه على السناب شات، لا أعني أن المبدع لا يستخدم أبداً هذه البرامج، ولكن إذا هاجه الشوق الجامح إلى الفن وامتلأت روحه بالمعاني الخلابة في لحظة إلهام فريدة وناداه القلم أو العود أو والفرشاة فإن تلك البرامج لن تستطيع أن تشغله عن تلبية ذاك النداء الساحر.

ثم إن وسائل التواصل الاجتماعي وفرت للجميع فرصاً متساوية لإبراز إبداعاتهم بعد أن كان ذلك مقصوراً على فئة دون أخرى. وأخيرا -يا صاحبي- إن المبدعين الحقيقيين من أمثال المتنبي واثقون من أنفسهم ومن فنهم ولا يحتاجون من الآخرين تعزيز تلك الثقة فضلاً عن خلقها، لأنهم يستمدونها من حدس باطني عميق كالكون، سحيق كالأبد، يلهمهم بأنهم مبدعون وأن لديهم ما يستحق الإعجاب والتقدير. وعلى ذكر إبرة القش، إن القصيدة العظيمة كالذهب، وإن العين ليُلفتها في الفلاةِ بريقُ سبيكةٍ واحدةٍ من الذهب ملقاة تحت شعاع الشمس ولا تُلفتها الحجارة والحصا ولو كانت ألوفاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.