المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ناصر الخاطر Headshot

النيبال، عودةٌ إلى أصل الحكاية

تم النشر: تم التحديث:

في ديسمبر/كانون الأول 2010، كنتُ حاضراً في زيوريخ عندما أُعلنت نتيجة التصويت على اختيار الدولة المضيفة لبطولة كأس العالم 2022، ورأينا جميعاً مع مئات الآلاف حول العالم اسم دولة قطر وهو يظهر من المُغلّف؛ لتغدو بذلك أول دولة عربية وإسلامية تستضيف بطولة كأس العالم لكرة القدم، كانت تلك اللحظة واحدة من أكثر اللحظات مدعاة للفخر في حياتي وفي تاريخ بلادي على حدٍّ سواء، إلا أننا لمسنا، وبشكل فوريّ تقريباً، شعوراً بالسلبية، وبدأنا نسمع همسات التشكيك والاعتراض الصريح على فكرة أن تستحق دولة صغيرة مسلمة مثل قطر، هذا الشرف.

وعلى مدار السنوات الست الماضية، استمرّت الأصوات المعارضة تخبو حيناً وتعلو حيناً آخر، لكنها لم تتوقف، وفي الوقت الذي كان فيه اهتمامنا منصباً على إقناع المشككين، كدنا ننسى ما تعنيه هذه البطولة للملايين حول العالم، وقد كان هذا الأسبوع بمثابة تذكير بالنسبة لي بأهمية التركيز على الناس، ليس فقط الذين يؤمنون بهذه البطولة، بل أيضاً أولئك الذين ستتأثر حياتهم بشكل كبير بسببها.

ثلاثة أيام مذهلة في نيبال أعادتني إلى سنة 2009 عندما انطلقت لجنة ترشيح مغمورة من قطر في واحدة من أكثر الرحلات تأثيراً وإلهاماً، جُلنا آنذاك في أصقاع المعمورة، تحدثنا والتقينا بالناس من كافة شرائح المجتمع، بمن فيهم طيف واسع من المؤثرين في عالم كرة القدم، محاولين إقناعهم بأهمية استضافة بطولة كأس العالم في منطقتنا، لم يكن لدى الكثيرين منهم أي معلومات عنا أو عن دولتنا، ولكننا أقنعناهم بأننا جديرون بذلك.

والآن بعد مرور ست سنوات، نزور مع فريق "الجيل المبهر" بلدة كاسكي النيبالية، هذه المقاطعة الجميلة الواقعة عند أحد سفوح سلسلة جبال الهيمالايا، والغنية بثقافتها وتنوعها الإنساني، والتي تمتاز بطيب أهلها وكرم نفوسهم رغم ما يُعانونه من قلة الموارد وضيق ذات اليد، ولا سيما بعد الزلزال المدمّر الذي ضرب قراهم العام الماضي، وقلب حياتهم رأساً على عقب.

لكنهم ورغم الأوضاع الصعبة، ما زالوا يحملون الكثير من الأمل في قلوبهم، ويسعون بعزم وإصرار لتحسين حياتهم، حتى لو بالقليل، ولو كان ذلك بممارسة الرياضة وتوفير مساحة للأنشطة الجماعية كلعب كرة القدم.

"الجيل المبهر" هي مبادرة انطلقت مع ترشّح قطر لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 بهدف تمكين الشباب؛ لكي يصبحوا قادة في مجتمعاتهم، من خلال استثمار الطاقة الإيجابية لكرة القدم واستخدامها كأداة للتنمية البشرية.

وها نحن اليوم نصل إلى النيبال، ممثلين لفريق الجيل المبهر واللجنة العليا للمشاريع والإرث -وهي الجهة المعنية بتهيئة الأرضية اللازمة لاستضافة بطولة كأس العالم 2022- لإطلاق برنامج جديد في إطار مبادرة "الجيل المبهر".

ومنذ اللحظة التي وطئت فيها أقدامنا أرض نيبال، كنا على موعد مع تجربة رائعة؛ حيث رحب بنا سفراء برنامج "الجيل المبهر" بالزهور والابتسامات، فتيان وفتيات يشع الأمل من عيونهم، وترى فيهم جيلاً من القادة الشباب التواقين إلى تطوير مجتمعاتهم، وعلى مدرج مطار بوكارا، عانقت الفرق التي عملت عن كثب مع هؤلاء الأطفال على مدى السنوات الأربع الماضية، وكأنهم أفراد عائلة واحدة، كان أمراً مذهلاً.

ووقفت للحظة هناك لأتذكر السبب الذي بدأ هذا كله، إنه كأس العالم، هذه البطولة التي نستغرق في تفاصيل تنظيمها اليومية حتى نكاد نغفل عن فكرتها الجامعة التي تحرك قلوب الملايين حول العالم، بالطبع لا تُقدم هذه اللعبة الإجابة عن المعضلات الأساسية التي تواجه المجتمعات، خاصة تلك الفقيرة منها، لكنها تحمل تأثيراً ساحراً يُمكن أن يُسهم في تغيير حياة الناس نحو الأفضل.

افتتاح الملعب في هذا المكان، وفرح الأطفال بهذا المشروع الصغير، والسعادة البادية على مُحيّاهم، صورةٌ لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة، فهذا هو جوهر كرة القدم، هذا هو جوهر كأس العالم.

ثلاثة أيام في نيبال أعادتنا إلى الأسس التي دفعتنا للترشّح لاستضافة كأس العالم، وأهمّها ترك إرث مستدام يُمثل علامةً فارقةً في تاريخ البطولة، ويُسهم في بناء القدرات البشرية وتغيير حياة الناس نحو الأفضل، وقد منحني وجودي في النيبال فرصة مشاهدة دليل حيّ على ذلك قبل ست سنوات من انطلاق البطولة، كما جعلتني هذه التجربة أكثر تقديراً للفرصة التي تُتيحها هذه البطولة لنا ولبلادنا، كنتُ فخوراً بزيارة النيبال والمساعدة على تنفيذ هذا البرنامج، كما تشرفت بلقاء مجموعة مميزة من الشباب النيبالي، والتعرف أكثر إلى أهل هذه البلاد الذين غمرونا بودهم وكرم ضيافتهم.

ونحن في الواقع لسنا بغرباء على الشعب النيبالي؛ إذ تستضيف الدوحة عشرات الآلاف من أبنائه الذين يُسهمون بشكل فاعلٍ في بناء دولة قطر، وتحقيق حلم استضافة بطولة كأس العالم، وهذا الحضور النيباليّ في قطر هو ما دفعنا لنتوجه إلى كاسكي وغيرها من البلدات النيبالية عرفاناً منا بدور العمال النيباليين وشكراً لجهودهم، ولحظات كهذه مهمة للعالم أجمع؛ لكي يقدّر الأثر الذي تتركه بطولة 2022 عندما نتوجه بالشكر للشعب النيباليّ على دوره في بناء بلادنا، وليس ذلك منةً أو فضلاً منا فهؤلاء العمال هم جزء من رحلتنا، وهم يؤدون دوراً أساسياً في التحضير لاستضافة دولة قطر لبطولة تاريخية لكأس العالم.

في اعتقادي لا بد لنا من وقفة تُعيدنا إلى المبادئ التي دفعتنا لبدء هذه الرحلة، ولا تتجسد هذه المبادئ في مبادرة كمبادرة الجيل المبهر الذي استطاع منذ أيامه الأولى أن يلمس حياة الناس في مناطق مهمَّشة في النيبال وباكستان وسوريا والأردن، وكلما شغلتنا الاتهامات والتحقيقات والانتقادات، شدَّنا هذا البرنامج من جديد للسعادة التي يُمكن لكرة القدم أن تُقدمها للكثير من الناس، وهذا بالضبط ما حصل لنا خلال تجربتنا في النيبال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.