المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نسمة جويلي  Headshot

دَين الحكاية

تم النشر: تم التحديث:

ابتسمت حين رأيتُ كاملاً لأول مرة... شعرت أني مدينة له بحكاية.. لكني انتظرت أن أجد وقتاً مناسباً لأحكيها له.

كان كاملٌ أولَ من استقبلني في سكننا في بيرج هول. كان طويلاً.. ابتسامته مرحبة وشعره أسود به بعض البياض... كان يختلف قليلاً عن صور الفيسبوك الكثيرة التي رأيتها له قبل وصولي إلى هنا. وصلت طائرته قبلي بساعات قليلة لكنها كانت كافية لأن يتعرف إلى المكان الجديد و يدلني على غرفتي حين وصولي.

كانت رحلتي طويلة.. بدأت في مطار القاهرة.. عمان.. شيكاغو.. ثم سيدار رابيدز. كان المطار الأخير صغيراً و خالياً و كانت "ميري" تنتظر في آخره... بيديها ورقة صغيرة مكتوب عليها Between the lines و بالعربية تحتها "بين السطور". ذات الورقة، كنتُ أحملها في مطار عَمان حتى يتعرف إلي عليّ ونور ورولا الآتون من بغداد وغزة وبيروت. قدرت أن كاملاً كان يحمل ورقة مماثلة في مطار فرانكفورت ليتعرف بها إلى أفنان وسارة ووفاء وأحمد الآتين من البحرين وعمان وتونس والمغرب.

كامل هو زميلي في العمل، كنتُ وهو مسئولين عن رعاية تسعة من الطلاب العرب في المرحلة الثانوية، الذين سافروا ليتلقوا تدريباً على الكتابة الإبداعية في جامعة أيوا في أمريكا. حين وصلتني أول الأمر الرسالة التي تُعلِمني باختياري للإشراف على الطلبة العرب بالبرنامج و تُعرِفني بالطلبة وبزميلي في العمل، توقفت كثيراً عند اسم كامل وبلده. لأن الاسم العربي تماماً كان آتياً من إسرائيل. بعثت برسالة في حينها لعساف صديقي الفلسطيني أسأله إن كان الإسرائيليون يسمون أسماء عربية. بعث لي عساف أن بعض العائلات اليهودية التي هاجرت لإسرائيل من مصر واليمن والمغرب في أعقاب 48 يفعلون. كما أن عرب 48، الذين لم يتركوا أراضيهم وقت النكبة، يحملون جوازات إسرائيلية. كانت مهمتي بعد أن وصلني رد عساف هي معرفة قصة الجواز الذي يحمله كامل. وصاني عساف، وكانت وصيته غالية، أن أمتنع عن السفر لو ثبت لي أن كاملاً إسرائيلي. هكذا بدأت حكايتي مع كامل، بالنبش في تاريخه على الإنترنت حتى ألتقط عنه أي معلومة تؤكد شكوكي أو تنفيها.

حين حكيت لكامل تلك الحكاية بعدما صرنا صديقين، ضحك في ود وقال إنه معتاد على تلك الأمور. كان كامل في الرابعة و الثلاثين من العمر، لكن غسان كان في السابعة عشرة فقط. ككامل، كان غسان من عرب الــ 48، لكنه في لقاء التعارف الأول بين المجموعات المختلفة، عرفنا غسان بنفسه، و قال إنه من إسرائيل.

كان جميع المشاركين في البرنامج يلتقون صباحاً في قاعة الاجتماعات الكبيرة لاجتماع قصير، بعدها، نتفرق لمجموعات وفقاً للغتنا الأم لنتلقى دروساً في الكتابة الإبداعية والأدب الخاص بثقافتنا. في الفصل العربي الصغير، كان غسان يحضر معنا. كنا نجلس في دائرة، لكن الدائرة كانت تأبى أن تلتئم عنده، على الرغم من اسمه العربي، ولهجته الفلسطينية المائلة قليلاً للهجة الفلاحين. كان غسان، بالنسبة لباقي المشاركين، إسرائيلياً. بالنسبة لنا، لم نكن متسامحين مع تعريفه لنفسه.. لذلك بقي لأيام بيننا، لكنه لم يكن منا تماماً.

بعد أيام دعانا المركز الإسلامي بالمدينة للإفطار، شملت دعوته كل المشاركين في البرنامج من غير العرب والمسلمين. ذهبنا كمجموعة واحدة كبيرة، واستقبلتنا قاعة الطعام بكرم ضيافة كبير. كانت الطاولات مصفوفة وكنا نجلس حولها نشم رائحة الأكل العربي لأول مرة منذ أيام.. كان باقياً على آذان المغرب بضع دقائق، استغلها الإمام في التعرف علينا.. الاسم و البلد و شيء ثالث لا أذكره الآن. حينها، عرّف غسان نفسه بأنه فلسطيني. شعرت أنه أراد أن يزيد شيئاً آخر لكنه امتنع.

مر يومان أو أكثر.. وكنا نتحضر لعرض شيء عن الثقافة العربية للأجانب معنا. طلب غسان أن يتكلم... كان يفسر نفسه وقتها.. كان يحاول.. تكلم على استحياء عن حرب الـ 48. بدا و كأن الحرب تحرجه شخصياً، كان كلما خفف الحرب، كثفناها.. حكى عن أصوله. بدا حديثه كاعتذار طويل.. لم نكن واثقين إن كان موجهاً لنا أم للآخرين...

لم أكن ألومه.. أعرف كم هو ثقيل، أن يكون علينا تفسير أنفسنا للناس عند كل تعارف جديد.

لحظات التعارف غالباً ما تكون سريعة وخفيفة وبين أغراب... لا أتخيل أن يمتد تعريفي لمكاني ليشمل قصة... قصة طويلة ثقيلة مربكة.. لا يحب الكثيرون سماعها ربما لأنها لا تعنيهم.. وربما يختلفون حين سماعها لو كانت تعنيهم. بالأخير، من يريد لتعارف بسيط أن يكون تاريخياً؟ ومن يريد لنفسه أن يوصم أو أن تحاك حوله قصص أو أكاذيب في البداية من أي علاقة؟

هناك أشياء يخربها الاحتلال لا تدون في التاريخ أو السياسة... من بينها أنه يتدخل بيننا وبين تعريفنا لأنفسنا و يمنعنا أن نكون نحن بالكامل.

ودعت كاملاً وغسان بشيء من الحزن... و شعرت أني مدينة بحكاية.. أحكيها عنهما...