المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الناصر القادري  Headshot

علموا أولادكم القراءة

تم النشر: تم التحديث:

ربما من الصعب اليوم وبعد دخول عالم التكنولوجيا إلى عمق كل بيت أن تقنع طفلاً بأهمية قراءة كتاب ما أو قصة قصيرة أو رواية أو حتى كتيبات عن الحيوانات أو قصص الأنبياء المصورة، قصص المكتبة الخضراء التي تربت الأجيال عليها.

والأصعب أن تكون أنت أصلاً لا تقرأ وتطلب من ولدك أن يفعل ذلك، فالطفل رغم كل قوة الصورة الافتراضية التي تجذبه نحو الحواسيب والهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية، إلا أنّه يحب من واقعه أن يقلد من حوله، أباه، أمه، إخوته.

ماذا تفعل القراءة بالطفل؟
تفتح الكتيبات مع صغر حجمها أمام الطفل نوافذ على كل العالم، فتصبح نظرته للكون أكبر من البيت والمدرسة والمدينة، وتوسع من خيالاته إلى أبعد حد ممكن.

كما أنّ الطفل يمتلك ذاكرة هي كالإسفنج (تمتص كل شيء) ومن السهل عليه أن يحتفظ بكل ما يقرأه في ذاكرته ما يعني أنّ القراءة تزيد من مساحة الذاكرة بشكل مختلف عن غيره من الأطفال الذين يلعبون فحسب ولا يمارسون أي نوع من القراءة.

تعزز المفردات اللغوية (الفصحى ) سواء كانت القراءة بالعربية أو حتى بالإنكليزية أو أي لغة أخرى يمارس بها الطفل هوايته، حيث إن القراءة تزيد من السعة اللغوية في دماغه.

تستطيع القراءة أن تساعد الطفل على تكبير عقله (كالمثل الشهير صغير ولكن عقله كبير) وتمرين العقل على مستويات أعلى من مستواه العمري والمدرسي، فيصبح أكثر تقبلاً لما تضخه له معلمته يومياً من معلومات.

يصبح الطفل ذا مهارة كتابية مع حفظه لرسم الكلمات بشكل أكبر بسبب أنه يعيش مع النصوص القصيرة لفترة أطول أثناء القراءة، خصوصاً إن كانت الكلمات مطبوعة بحجم كبير، كما أن القراءة تستطيع أن تعطيه حساً إبداعياً ودفعاً معنوياً لأن يجرب الكتابة وأن يدخل عالم الأفكار بسن مبكرة.

تستطيع القراءة أن تجعل من الطفل، كائناً مختلفاً كلياً، فهو سيزداد طرحاً للأسئلة والبحث لمعرفة المزيد، ما يعني تنمية معلوماته وارتفاع مستوى معرفته.

كيف نحفز الأطفال على القراءة؟
كل الأمهات يواجهن مشكلة في ترغيب أطفالهن بالقراءة، فهم لا يحبون الجلوس كثيراً مع واجباتهم المدرسية فكيف حالهم مع القراءة كبداية هواية؟

لكن ربما مع الأسلوب المختلف يُقبل الأطفال على القراءة، فقد انتشرت مؤخراً فكرة المكتبات المدرسية الخاصة بالأطفال ما دون الرابعة عشرة من أعمارهم، وتلك المكتبات مقتبسة شكلاً ومضموناً من الغرب، حيث أنّ مدارس مدينة إسطنبول مثلاً ، طبقت فكرة قراءة الكتب، فعلى كل طالب من المرحلة الابتدائية والإعدادية أن يقرأ كتابين على الأقل في الشهر، يختاره هو من المكتبة، ويجب أن يكتب ملخصاً عنه، كما أصبحت المكتبات الملفتة لنظر الطلبة منتشرة بكثرة في المدارس، فهي مليئة بالكتب التي تحمل الكثير من الألوان والصور، كما أنّ المكتبة بذاتها مليئة بما يشجع الطفل على البقاء فيها، من وسادات ضخمة للجلوس عليها تحمل أشكالاً وألواناً زاهية، وطاولات خشبية شبيهة بالتي يرونها على شاشات التلفزة.

وبما أننا مسلمون، وتبدأ كل المدارس والأهل تقريباً مع بدايات الفهم لدى الطفل بسرد قصة نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنّ أول كلمة نزلت من السماء إلى الأرض هي "اقرأ" وهي أمرٌ وليست خياراً، أمرٌ من الله حتى لا تضيع حياتنا سُدى وبلا فائدة، ربما زرع مثل هذه الكلمات في دماغ الطفل من بداية عمره أسهل بكثير مما بعد.
كما يمكن أن تكون الهدايا في المناسبات والأعياد التي نأتي بها لأطفالنا ليست ألعاباً فقط ، بل كتيبات وقصص وكتباً، فاللعبة مع كل محاولات الأهل بالاحتفاظ بها ستخرب، لكن الكتاب سيبقى الذكرى التي رافقت الطفل منذ صغره حتى آخر عمره ربما، وهي بالتالي ذكرى جميلة جداً.

حث الأطفال على تعلم كلمة جديدة يومياً من خلال القراءة، وإعطاؤهم قطعة شوكولا أو مبلغاً أو هدية مقابل ذلك، وتعويدهم على قراءة أنواع مختلفة من الكتب وليس قراءة لون واحد فقط، وعدم السماح لهم بمشاهدة التلفاز إلا بعد نصف ساعة يومية من القراءة، كما يؤدي ذلك إلى تعوديهم على تنظيم أوقاتهم.

كل ذلك قد يحفز الأطفال على القراءة وقد يجدون بها المتعة ، فيعتادونها، ويجدونها الصديق الجميل، فيصبح الكتاب صديقهم في رحلاتهم وأوقات فراغهم، والهواية الرئيسية التي يُسألون عنها فيجيبون مفتخرين.

في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن أجري معرض للكتاب من أجل دعم اللاجئين ثقافياً ومادياً، فعندما تعطي اللاجئ الطفل إضافةً للسلة الغذائية كتاباً، فأنت تنقذ حياته فعلاً، ومن رحم المعاناة يولد العباقرة والمجددون.

ماذا يستفيد الطفل من القراءة في المستقبل؟
ربما يظن الكثيرون أن المستقبل لا علاقة له بالقراءة وإنما فقط بالتعلم المدرسي، وهذا صحيح إن حُصر بالوصول لفرع جيد في الجامعة، لكن القراءة تستطيع أن تفتح المجال واسعاً أمام الطفل في بناء طموح مختلف عما يراهُ له أهله فقط، فقد اعتدنا أنّ الأهل يريدون أبناءهم أطباء ومهندسين ورواد فضاء، وقلما نجد في وطننا العربي وحتى الإسلامي اهتماماً بما يحبه الطفل وبما يمكن أن يَبرع به ويُبدع ويضيف أشياء أخرى للمجال الذي يدخله.

تستطيع القراءة أن تنمي هذه الأفكار وأن تنتقل بالطفل إلى مراحل متقدمة من الأحلام التي يمكن تحقيقها، فقد يرى الطفل نفسه بسبب القراءة كاتباً وأديباً، وقد يرى نفسه شاعراً، أو كيميائياً أو ربما أينشتاين عربياً يجدد في نظريات الفيزياء، ربما وجد بالقراءة أن ابن سينا هو فعلاً الرئيس في الطب فقرر أن يكون مثله رائداً فيه، أو سياسياً جهده العدل في حمى الظلم هذه بسبب قراءته عن الفاروق عمر أو عمر بن عبد العزيز أو الزنكي الخليفة العادل أو نيلسون مانديلا أو مالكوم إكس أو المهاتير محمد أو رجب طيب أردوغان.

القراءة تحقق ذات الطفل وقدرته على الاختيار لأنه عاش تجارب كثيرة عرفها عن قرب من خلال الكلمة والخيال المرافق لها، كما تستطيع بالقراءة وفقط بها أن يكون ابنك على درجة عالية جداً من الثقافة وحب الكلام المفيد، وطرح الرأي المناسب في المكان المناسب، وأن يمتلك لغة عربية فصحى لا يمتلكها شيوخ على المنابر، فهو قد مارس اللغة منذ صغره فأصبح ربيبها.

علموا أولادكم القراءة، ولا تنسوا أن تقولوا لهم أنّ أمة اقرأ كانت خير أمة أُخرجت للناس لأنها أمة العلم لا الجهل، وأنّ أمة اقرأ كلها تقريباً لا تقرأ