المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الناصر القادري  Headshot

كيف أرثيكِ ؟

تم النشر: تم التحديث:

نسج الشاعر العراقي الكبير، بقية المتنبي "عبد الرزاق عبد الواحد" قصيدة قال في مطلعها

لستُ أرثيكَ لا يجوز الرثاءُ
كيف يُرثى الجلالُ والكبرياءُ

ولأن سعاد تستحق أن يكتب فيها معلقةٌ، وتحكي عنها رواية، وتُسرد عن حياتها قصص، وأن يقال فيها نثرٌ وقوافي حورتُ أبيات "أبي خالد" شاعر دجلة والفرات.

لستُ أرثيكِ لا يجوزُ الرثاءُ
كيف يُرثى الجلالُ والكبرياءُ
كنتُ أرنو إليكِ يوم التجلي
كنتِ شمساً تُحيطها ظلماءُ
كيف أبكيكِ؟ لا يليقُ البكاءُ
كيف يبكى إذا استقام الضياءُ

قبل أكثر من سنتين كانت آخر مرةٍ أسمع فيها صوتها أو بحة صوتها عبر الهاتف الذي يحتفظ بصورها، لم يظهر لي أنها مثقلةٌ بمرضها، وأعياها التعب الشديد ..
لم تنسَ أي واحد منا وإن تظاهرنا بعدم نسيانها، كانت أعباء الحرب تكبلنا ليس بالضرورة الجميع لكني منهم بالتأكيد .

ندخل في السنة الثالثة للكابوس الذي رأيناه من غير نوم يُطبق على صدورنا عند سماع النبأ، لم يكن نبأ أمام دوي القنابل والصواريخ بل رسالةٌ من أخي تخبرني بكل حروفها المباشرة أن سعاد ماتت!

دوماً ما يرحل من نحبهم فجأة، متغربين كانوا أو مغيبين، على فراش المرض، أو في منفردات السجون، في آخر قارةٍ من العالم أو بقرب أسرتنا التي نغشى عليها، بالرصاص في مواجهة الباطل أو بالسرطان في مواجهة الشيطان. تحين لحظة الحقيقة دون تنبيه، ويعِدُ مَلَكُ الموت خطواته رويداً، ويأخذ بيد الروح إلى بارئها، أيضاً فجأة لا يخبرنا المَلَكُ بشيء، فقط يتركنا مع الأجساد نُلقي عليها نظرة وداع لتُحمل إلى الثرى، ولنغيب نحن مع الروح التي نحب، كنا نرى سعاد، ونحبُ روحها، والروح لا تموت أبداً فالجسد بكل ملامحه في البال لا يغادر الذاكرة، والروح التي نحس بها بمشيتها في القلب ما بين الصمام والفؤاد ما زالت تمارس عادتها ذاتها حتى الآن .

لو بحثت في "ويكيبيديا" جاهداً عنها لن تجد لها ذكرا أو حتى أثرا في مواقع الويب ومحركات البحث، لكن السماء الأولى تعرفها جيداً، كان لها تواصلٌ يومي معها، ليس تواصلا لحظيا وسريعا كالمعتادين عليه، كان اتصال سعاد مع من يتجلى إلى السماء الأولى سبحانه وتعالى، كانت إحدى المستغفرات اللواتي يحن عليهن ربهن في الثلث الأخير من الليل يومياً.

للقرآن الكريم حكايةٌ طويلة مع سعاد، كل شيء تمله إلا القرآن، كانت تمضي معه جل وقتها ولربما كله، ما مررتُ بها مرةً إلا والقرآن أمامها، أو السُبحة بيدها، وفي أكثر أوقاتها تعباً وأرقاً لابد أن يكون القرآن شغلها الشاغل، لا تنسى أرض ديار جدي ابنته سعاد، ففي كل زاوية من زواياها ذكرى مع سعاد، لقطةٌ في أكثر معاركها مع الشيطان ضراوةً وعنفاً، كقيام الليل وقد أصابها إعياء كبير جداً .

في سنتها الأخيرة من الدنيا اعتقل أحد أحب إخوتها إليها وأصغرهم سناً "زين العابدين"، كان السجن ليس للحجي الزين فقط!، كنا جميعاً قد سُجنا معه، تعذبنا معه، لم ننم ليلاً هماً عليه، كما كان لا ينام هماً علينا، نبرد في الشتاء نتذكر "برديته" المستمرة، ونجوع في النهار بسبب لقيماته القليلة والسريعة، لا نجدُ ما نفطره في رمضان وإن كان أشهى الطعام على موائدنا، ومع ذلك فاقتنا سُعاد حزناً عليه، كان المرضُ شديداً وتدعي للزين، أصبح زينُ العابدين سُبحتها "الله يفرج عنك يا زين"، وكانت أكبر أمنياتها أن تراه قبل رحيلها، ولكن ساعاتها دقت بموعدٍ مع رب العرش، فلا تأخير ولا تبديل ولا أمنياتٍ ولا رجاء، موعدها مع الله لا يتغير.

هي حكمة الله في التقاء القلوب، وتآخي الأرواح، وتناسق الدم، وتكامل الفطرة، وتشابك الحب، وإخلاص الصداقة
في ذات الوقت الذي كانت تدعي به سُعاد لأخيها، كان المظلوم ككل أبناء هذه البلد يراها في المنام من سجنه، ولكأن يوسف الصديق عليه السلام يؤول منامه، في يوم وفاتها رأها تطعمه من فاكهة أبيه، في تلك الليلة لم يخبره أحد، لكنه الله الذي يجعل القلوب متصلة مهما ابتعدت، هو الله الذي يجعل الأرواح لا تفترق مهما بنيت من جدران أمامها ومهما كانت الزنازين مقفلة! يومها توفيت سعاد حقاً في ليلة الجمعة. بعد 16 يوما عاد الزين لعائلته ليكون السؤالُ الأول عن سُعاد ولتجهش العيون بدموع الأخ والصديق والحبيب والمدلل .

في آخر تفصيل لي معها قبل وفاتها بـ 23 يوماً بالضبط عزتني بشهيد انفطر القلب برحيله، وتكلمت بصوت يحاكي صوت الملائكة بأنه علي امتطاء المجد لأنني كنت يوماً من أصحابه، تلك الرسالةُ التي تمرُ معي الآن كأنها اللحظة، سترافقني ما حييت، شهادةُ صدّيقةٍ بشهيد.

كان أقسى ما يمكن ألا أودعها ضماً طويلاً كما كنت أستقبلها مطلع كل صيف في مدينتنا "قطنا"، ولا أن أصلي عليها، ولا أن أمشي في جنازتها، ولا أن أرى وجهها الأبيض النوراني الذي يشع عزاً وكرامة، ولا أن أحث عليها التراب، هذا كله من الثارات التي زُرعت في قلبي أيضاً على مُشعل هذه الحرب.

لا تغيب كلماتُ سعاد عن بالي أبداً، ولا ضحكتها، ولا صورتها، ولا عربيتها، ولا أدبها، ولا خطها العربي الجميل، ولا تميزها، ولا محورية دورها في عائلتنا، ولا تربعها على عرش محبتنا جميعاً. لا تُنسى هدية سُعاد السنوية، ولا مفاجآت سُعاد، ولا النزهات والرحلات معها. لا تُنسى سعاد بكل ما فيها .

سعادُ لا تُرثى حقاً، ولا تُبكى أبداً، كانت عظيمة في حياتها، عظيمة في مماتها، مهما كتبت عنها لا أوفيها حقها، رحمها الله.
"ولتبق هذه الكلمات محاولةٌ في الوفاء للعمة المربية الأديبة سعاد القادري ."

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.