المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نجوان زودة Headshot

نعم يا سيدي.. كما تكونوا يولَّى عليكم وليس العكس

تم النشر: تم التحديث:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

قرأت مقالاً منذ عدة أيام عن رؤيةٍ لمعنى "كما تكونوا يولى عليكم"، وأنها خاطئة، وأن العكس هو الصحيح، أي "كما يولَّى عليكم تكونوا"، فأحببت أن أرد على المقال بمقال مثله.

في البداية، لا شك أن ما يقوله صلى الله عليه وسلم هو الحق، ولكن أحياناً ينطق أفسد الناس بقولٍ حق!

فلو سلَّمنا جدلاً أن الحديث "كما تكونوا يولى عليكم" مكذوب، وليس فقط ضعيفاً فهل معناه صحيح؟!
أولاً: الاستدلال بتولي حاكم فاضل يتبعه حاكم ظالم، والشعب هو نفسه، ليس استدلالاً منطقياً.

كما نعلم جميعاً أن تغيير الحاكم هو تغيير كلي، فإما أن يكون جيداً أو فاسداً، فلا وسط في الاختيار؛ لأنه شخص واحد، ولا يتغير نسبياً، وتغيره حتماً تغير كلي.

أما تغيّر الشعوب فيخضع للنسبة المئوية، فانتشار الفاحشة يكون شيئاً فشيئاً، تبدأ بـ1% تزداد لـ10% وهكذا حتى يصل الأمر للفساد الشائع، الذي يؤذن بنزع الحاكم الصالح وتولي حاكم فاسد، والعكس بالعكس.

فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتولَّ أمر العرب ليقلبها رأساً على عقب أثناء ولايته، فما أقرَّ بولايته سادة قريش؛ بل عرضوا عليه المناصب شرط ترك الدعوة فرفضها، فحاربوه وحاصروه وآذوه -فَدَته نفسي- ومع ذلك بقي على دعوته، فانتشر الإسلام ابتداء بأبي بكر وعلي وخديجة -رضي الله عنهم- وانتهاءً بالأفواج التي دخلت الإسلام بعد الهجرة، وحين دخل الإسلام إلى النفوس غيَّرها، حتى إذا أصبحت في أوج طهرها من دنس الجاهلية استحقت تغيير الحاكم، فتولاها رسول الله في المدينة المنورة، فرُفع الظلم، وأقيم العدل، وأنِسَت في جنبات الدولة الإسلامية الأغنام والوحوش على حد سواء، ففي هذه القراءة نجد المعنى الحقيقي لـ"كما تكونوا يولَّى عليكم".

ثانيا: صحة المقولة بغيرها

هناك ما يدعم صحة "كما تكونوا يولى عليكم"، فالله تعالى قال: "إنَّ الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ولهذه الآية ترتيب مشروط لا بد من تحققه، فالله يمنع أي تغيير "إن الله لا يغير ما بقومٍ"، وجاءت "حتى" لتستثني أمراً واحداً هو حين "يغيروا ما بأنفسهم".

وقوله تعالى: "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً" يؤكد أن الظالمين يتولاهم الظالمون، وأما عن قوله تعالى: "ما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"، هذه الآية تحديداً فيها أربعة خطوط: الأول أن هذه القرية فيها ظلم شديد، والثاني أنها وصلت إلى حد استحقاق الإهلاك كعاد وثمود، والثالث أن فيها من يسعى للإصلاح، والرابع أن وجود المصلحين أدى لإيقاف الإهلاك، فما بالك بالحكم!
إذاً، فالمقولة صحيحة بغيرها من نصوص قرآنية.

ثالثاً: فرض صحة عكسها "كما يولى عليكم تكونوا"

ولَّى الله على بني إسرائيل نبينا موسى عليه السلام، كليم الله، واحد من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك كانوا أكثر خلق الله إفساداً في الأرض، على الرغم من أنهم رأوا من المعجزات ما لم يرَه قومٌ من بعدهم أو قبلهم، ومع ذلك شاع الفساد إلى أن وصلوا إلى استحقاق الهلاك، أي أن تولّي موسى أمر بني إسرائيل لم يصلح حالهم أبداً، وبمثل ذلك الأمثال كثيرة.

ثم ألا ترى صديقي أن الثورات التي يشهدها الربيع العربي ما هي إلا تغيرٌ في النفوس من سيئ إلى أفضل؟!

حين كانت الشعوب تحت وطأة حافظ وبن علي ومبارك وغيرهم من الطواغيت، كانت شعوباً تصفق لهم وتذعن لقراراتهم، وتبارك سوء أعمالهم وتمجد خَبَثَهُم، وحين تحولت إلى شعوبٍ ترفض العبودية وتسعى للحرية، تغيرت قيادات في بلادٍ شتى، وتغيرت أنظمتها وحكامها وقوانينها، وما زالت مقصلة الشعب والتاريخ تأخذهم طاغية تلو الآخر!!

لا شك أن هناك فاتورة من الدماء الطاهرة الزكية، ولكن تلك هي قاعدة قيام الحضارات وزوال الطواغيت.

وفي تركيا، أسقط الشعب انقلاب العسكر في أقل من ست ساعات، وما ذلك إلا أكبر برهان على أن الشعب هو ولي أمره، وليس شخص الحاكم، فالشعب هو من يغير الحاكم وليس العكس.

فدروس النهضة تؤخذ من مشهدٍ ياباني لأستاذ يدرس أطفالاً بعد قنبلة هيروشيما مباشرة بلا أمرٍ من حاكمه، ومن حشودٍ أنتجت العدالة والتنمية ودافعت عنها، ومن رجال نذروا أرواحهم للحرية في سوريا ومصر واليمن وغيرها، أما دروس النكسة فتؤخذ من مشاهد مسيرات تأييد الطغاة في دمشق واليمن ومصر كانت -أو ما زالت- وفي أميركا ترامب حالياً.

"كما تكونوا يولى عليكم"، مقولة رائعةٌ إن لم تكن حديثاً، وما كانت لنلوم أنفسنا، بل لنسعى دائماً لتطويرها وللإصلاح فيما بيننا، كلٌّ بقدر استطاعته، فبيده أو بلسانه أو بقلبه، فكلنا راعٍ وكلنا مسؤول عن رعيته.

"كما تكونوا يولى عليكم"، شكل من أشكال رفض السوء أينما حل في مكونات المجتمع أو الدولة، وليس من العدل أن نتظالم ثم نقول "حاكمنا ظالم".

نعم.. "كما تكونوا يولى عليكم"، فليس علينا انتظار المهدي ليصلح ويعدل، وليس علينا انتظار الصدفة -التي لا أؤمن بها أساساً- لتأتي برجل صالح إلى سدة الحكم؛ ليشيع العدل ويحارب الظلم، بل نبدأه بأيدينا، وحين نستحق النصر والتمكين سننتصر ونتمكن وسيكون تغيير الحاكم مجرد تحصيل حاصل، لا سيما أن إيتاء الحكم ونزعه شأنٌ رباني بحت، استدلالاً بقوله تعالى: "تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء".
وأما "كما يولَّى عليكم تكونوا" فما هي إلّا مقولةٌ لوضع الكف على الخد في وضعية انتظار لتولية قائد جيد للسير خلفه، في تكرير لآفة "التغنيم" التي تعيشها بعض شعوب العالم عامة، والعربية خاصة إلى الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.