المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهلة تحسين حميد Headshot

المساواة في الإرث والزواج بغير المسلم في تونس: "النهضة" معلّقة بين ما بقي من الإخوان ومشروع تونس التوافق

تم النشر: تم التحديث:

في خطاب ألقاه بقصر قرطاج يوم 13 أغسطس|آب 2017 بمناسبة العيد الوطني للمرأة، قال رئيس الجمهورية التونسيّة الباجي قايد السبسي: إنّ المساواة بين الرجل والمرأة التي أقرّها الدستور التونسي، يجب أن تشمل جميع المجالات، بما فيها المساواة في الإرث، وكذلك السماح للتونسية بالزواج بغير المسلم.

هذا التصريح الذّي أسس به السبسي "خطابه التاريخي" كما روّج له بمناسبة عيد المرأة، كان قنبلة موقوتة فجّرت العديد من التصريحات والتعليقات سياسياً واجتماعياً، فقد غصّت منصّات التواصل الاجتماعي بفيديوهات الناشطين الذّين رأوا أنّ التعليق في المسألة يجب أن يكون مرئياً ومسموعاً ولا يقتصر فقط على التدوينات؛ نظراً لأهميته القصوى التي تمسّ الناحية العقائدية. وجاءت جلّ التعليقات رافضة لهذه القرارات ونتج عنها موجات سخرية عارمة وموجات استنكار واسعة.

بدورهم السياسيون لم يتخلّفوا عن الركب، وكان المحور الأكبر للحوارات والتدّخلات في وسائل الإعلام منذ يوم الأحد يتمحور حول "مبادرة" الرئيس حول المساواة في الإرث، ومنهم مَن ثمّن القرار، ومنهم مَن رأى أنّه يدخل في حملة انتخابية مبكّرة، ولا يخدم حقّاً المشاكل التي تعاني منها المرأة، أو الأزمة التي تمرّ بها تونس، خاصّة على المستوى الاقتصادي.

بدوره دخل الأزهر الشريف بمصر على الخطّ، وهاجم هذه القرارات التي فتح لها رئيس الجمهورية التونسيّة الباب؛ لتكون قوانين مفعّلة، واعتبر "الأزهر" أنّ هذه الدعوة التي انطلقت في تونس مخالفة للشرع، فقد قال الدكتور عباس شومان، وكيل جامع الأزهر: إن دعوات التسوية بين الرجل والمرأة في الميراث تظلم المرأة ولا تنصفها وتتصادم مع أحكام شريعة الإسلام، وذلك في رد على بيان ديوان الإفتاء بالجمهورية التونسية المساند لدعوة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي إلى المساواة في الميراث بين الجنسين والسماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.

وبما أنّ "المساواة في الإرث" وزواج المسلمة بغير المسلم هي مسائل شرعية بالأساس، وتستند إلى تشريع إلهي واضح وصريح لا يحتاج تأويلاً أو اجتهاداً، كما أكّدت مؤسّسة الأزهر، فقد سُلّطت الأضواء أكثر على النهضة باعتبارها حركة إسلامية بالأساس رغم تخليها عن مرجعيتها، وإعلانها أنّها حركة مدنية، وباعتبارها أيضاً الشريك الثاني في الحكم، لمعرفة "رأيها" في مبادرة الرئيس، فما لاحظه المراقبون هو التباين الواضح والتأرجح في مواقف الحركة، كما جرت العادة، منذ اعتلاء ركب التوافق مع حركة نداء تونس، فقد أصبحت هذه الحركة الإسلامية تلهث لكسب دعم "التقدميين"، وتخطب ودّ "الأعداء" بمن فيهم القيادات اليسارية التي ترفض قطعياً التواصل معها وتتهمها بالكذب والتلوّن من أجل الغايات السياسية، ولا يمكنها أبداً الخروج من جلبابها الإسلامي.

مبادرة السبسي، التي أراد أن يضرب بها عصفورين بحجر واحد، أوّلاً يضع حدّاً لنجومية رئيس الحكومة يوسف الشاهد بعد أن سطع نجمه بـ"مكافحة الفساد"، ويؤكّد أنّ لا "رجل حرب" في تونس غير قائد السبسي، ولا صوت يعلو فوق صوته وصيته، ودائماً الزمام يكون بيده، حتّى في سنة 2019 وبالتحديد في الانتخابات الرئاسية القادمة التي لن يتخلّف عنها السبسي كمرشّح، وبنفس الحجر وضع حركة النهضة في مأزق حقيقي، كما يؤكّد ذلك المراقبون للوضع السياسي في تونس، فقد تفاجأت قيادات النهضة بهذه المبادرة، ممّا جعل الحركة بكلّ هياكلها ومستوياتها في حالة ارتباك سيتطلبّ مزيداً من الوقت لترتيب أفكارها، والتفاعل مع المبادرة بطريقة توافقية تخرجها من الحرج الذّي أوقعها فيه شيخ السياسة في تونس، والذي علم جيّداً أنّ طرح هذه النقطة قبل الانتخابات البلدية ستكون قاصمة للنهضة المنافس الوحيد لحزب ّالعائلة "نداء تونس"، ويمكن القول إنّ النهضة اليوم وقُبيل مرحلة انتخاب استحقاقية وحاسمة تتخبّط وسيبقى السؤال مطروحاً: هل ستنتفض الحركة للنصوص القرآنية وتخسر بالتالي "توافق الشيخين" أم أنّها ستجد مخرجاً مريحاً لها حول هذه المبادرة يضمن لها امتصاص غضب قواعدها من جهة، ويضمن لها في نفس الوقت أيضاً الالتفاف حول قائد السبسي مجدّداً؟

فتصريحات قيادات النهضة تباينت بشكل واضح وصارخ في مسألة المساواة في الإرث والزواج بغير المسلم، فمن جهته اعتبر عبد اللطيف المكّي أنّ تصريح رئيس الجمهورية خطير جدّاً، من جهتها ثمّنت القيادية يمينة الزغلامي مبادرة السبسي، ورأت أنّ "النص القرآني أنصف المرأة والأسرة، لكن تطبيق الميراث في تونس يعتمد على عادات وتقاليد سيئة تحرم النساء من حقوقهن" وفق قولها، ولكن في المقابل كانت تصريحات القيادي نور الدين العرباوي في إذاعة ديوان إف إم التونسية مناقضة تماماً لموقف المكّي الرافض قطعياً لهذه المبادرة وموقف التوافق الذّي خيّرته الزغلامي، وقال حرفياً: إنّ النهضة مع المساواة في الإرث، ممّا فجّر ثورة من التعليقات انطلقت بالأساس من قواعد النهضة التي رأت في هذا الموقف "خزي وعار" للحركة التي بيّنت أنّ السياسة أهمّ من شرع الله وخيّرت المواقف الصادمة على التصدي لمبادرات كهذا تمسّ من النصوص الدينية الواضحة التي لا تحتاج تأويلاً ولا اجتهاداً، كما أفتت مؤسسة الأزهر الشريف.

واجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجات غضب واسعة من النهضة التي تعتبر حركة ترتكز بالضرورة على الحفاظ على هويّة التونسيين ومعتقداتهم، غير أنّ البعض من قياداتها خيّر النأي بعيداً عن مرجعيتها وانساق وراء التوافق اللامتناهي أو التهرّب من الإجابة، وعدم "الصدع بالحقّ"، فبعد التخلي عن القيادات التاريخية للنهضة على غرار "الحبيب اللوز"، والصادق شورو" وغيرهما باعتبارهم يمثلّون "الصقور" و "وجه التطرّف" في الحركة، رأت "حمائم" النهضة وقيادات "سنوات الجمر" و"المنفى" أنّ في السير وراء درب التوافق الذّي أقرّه الباجي قائد السبسي وفق معاييره ومقاييسه "نجاح" للحركة وأبنائها الذين أصبحوا يخرجون تباعاً من السرب دون رجعة، وأعلنت القواعد وفق ما تبرزه منصات السوشيال ميديا أنّ الحياة مواقف أو لا تكون.. وتركوا "نهضتهم" تتأرجح بين الشيخين والتوافق، وحتّى إنّها أصبحت اليوم بعد المبادرة "الفخّ" تتأرجح بين شريعة الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.