المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهلة تحسين حميد Headshot

الأكل من قصعة قطر والنوم في سرير الإمارات!

تم النشر: تم التحديث:

الطعام مع قطر أدسم، والصلاة السياسية مع الإمارات أخشع، والوقوف فوق الربوة أسلم.. كان هذا موقف الحكومة التونسية، التي رأت في الحياد موقفاً سياسياً سليماً بعد المعونات القطرية السخية التي جعلت الحكومة تأخذ مسافة الحياد عن الموقف الإماراتي القريب من هوى الحكومة العلمانية في أغلبها.

وهو موقف عادي ومعروف في تاريخ الدبلوماسية التونسية الرصينة؛ لكن بعض الأطراف الإعلامية كان لها رأي آخر، أي إنها اختارت -بلا مواراة- الأكل من قصعة قطر والنوم في سرير الإمارات إلى الأبد وسبّ الملة التي أطعمت؛ بل وإجبارها على الدفع حتى مع استمرار السب والشتم والتهويل واستغلال الأزمات.

بمنطق "كُل الغلّة وسبّ الملّة"، اختارت بعض وسائل الإعلام التونسية -وهي قليلة، لحسن الحظ- أن تجعل من "أوريدو" قبلتها في المال، ومن الإمارات قبلتها في الموقف، وهو -لعمري- غريب في موازين العقل والحكمة، لا يرضاه المجنون فما بالك بأصحاب العقول.

فهذه الوسائل الإعلامية تبثّ أخباراً زائفة عن قطر وتنخرط في التشويه، وليس النقد المهني الرصين. ولكن في الوقت نفسه تريد أن تتمتع بإشهارات وامتيازات كبرى من شركة "أوريدو".. نعم، هكذا "أجلدك بمالك واسكت لا تتحرك".

فبينما اختارت أغلب وسائل الإعلام التونسية الالتزام بموقف الحياد في الملف الخليجي وبقيت تتابع الأزمة الخليجية باحتراف وحياد يليقان بالموقف الرسمي وبمستوى الإعلام التونسي، الآن غاب الحياد والعقل تماماً عن بعض الصحف في تونس.

وللإشارة، فهذا الانحياز التامّ إلى الإمارات لم ينطلق منذ الأزمة الخليجية؛ بل انطلق منذ اندلاع الثورة، وبالتحديد منذ فوز حركة النهضة بالانتخابات وسعي أبوظبي لتنفيذ السيناريو المصري في تونس؛ ولئن كان مبرراً وقتها الانحياز لظروف يراها البعض موضوعية وتتعلق بهوية البلد، إلا أنه اليوم حيف وخروج عن جادة الطريق، لا مجال للتعاطف معه ولا رسم خطوط الحوار؛ لأنه تدرج مع الوقت إلى مرض وورم ينهش جسد الصحافة الحرة.

بل قد لا نبالغ إن قلنا إن النقابة والهيئات التعديلية مطالَبة بوقف نزيف البذاءة والتجني في بعض الصحف التي يريد بعض المشرفين عليها وضعها في زاوية الإفلاس لمصالح شخصية ضيقة أصبحت مكشوفة في المشهد الإعلامي في تونس.

وللمراقب للخطّ التحريري لهذه الوسائل الإعلامية، أن يلاحظ -منذ الوهلة الأولى- عدم حرفية بعض الأقسام والصحفيين، وله أن يتبيّن كيف يعملون على فضح أنفسهم، فكلّ حرف يكتبونه أو يتفوهون به يرتهن حتماً لسياسات عيال بن زايد ومآربهم، وكيف يصبح للخبر العادي مائدة مستديرة تضمّ "خبراء" و"محللين" يُنتجون وَهْماً، يظنه العطشان ماء، لكنه في الحقيقة سراب يتبدد عندما لا ترى خبراً واحداً عن قضايا كبرى في العالم؛ مثل فضيحة السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، وفضيحة اختراق وكالة الأنباء القطرية، وغيرها كثير من المسائل الشائكة.

وللأسف، تجد أرباب وسائل الإعلام وإداراتها تتبع السراب وتحاول طمس حقائق واضحة؛ بل وأحياناً تتخلى عن مصالح مؤسساتها لصالح لا شيء، فلا الإمارات قائدة النضال العربي مثلما كان صدام، ولا عيال زايد مقاومون وممانعون، فماذا بعد هذه الغفلة؟!

ليس لأحد أن يفتي فيما يجب على كل وسيلة إعلامية القيام به؛ فلكلٍّ خطه ونهجه، لكن المطلوب هو عدم القفز على قوانين المهنة ومتطلبات الموضوعية، حتى وإن غاب الحياد فالموضوعية ركن وأساس لا غنى عنه. ومن المهم التخلي عن محاولة تزييف وعي الناس؛ لأن تونس الآن ليست تونس الترويكا، وإنما هي تونس التنوع والانفتاح، وليس لأحد أن يظن أنه قادر على أن يكذب دون رقيب؛ بل على الجميع أن يُحَكّم العقل ويستمع لأصواته الكثيرة في البلاد ولا يغلق عليه أبواباً قد تمنع عنه نور هذا التنوع.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.