المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهلة تحسين حميد Headshot

بيان الفشل لخطة دول المقاطعة

تم النشر: تم التحديث:

أخيراً ظهر وزراء الخارجية لدول حصار قطر من مصر، هذا الظهور لم يكن بدراً مكتملاً كما انتظره عشّاق الهجوم على الدوحة، وإنمّا كانت وجوه الحاضرين تكتم دمعة الحزن بعد الفشل الذريع في إيجاد مخرج من الورطة التي وضعوا أنفسهم فيها.

فباستثناء مطالبة عبد الله بن زايد، وزير خارجية الإمارات، دولة قطر بضرورة رسم الابتسامة على وجوه الناس، لم يأتِ الرباعي الحزين بالجديد في الأزمة، بل ظهر المخطّط وكأنّه في نهاية الطريق، ولولا الحياء لقال الأربعة المقاطعون إننا أفلسنا "وطارت سكرة الإثنين الأسود" الذي أعلنوا فيه الحرب على قطر.

لقد وضعت الإمارات والسعودية والبحرين ومصر نفسها في مأزق سيكون ما بعده حتماً جملة من الانهيارات الداخلية، والتفكك في الحلف الهشّ الذّي جمع بين المتناقضات، فلا السعودية يمكن أن تكون حليفاً للإمارات، ولا الأخيرة يمكن أن تعلن دعمها المطلق لوليّ العهد الشابّ "محمد بن سلمان" الذّي سيكون منافساً قوّياً في المنطقة لعيال "بن زايد"، فالجميع يدرك جيّداً الدسائس بين الطرفين، والأكيد أنّ السفينة لا يمكن أن يقودها جمع من الربابين.

وستكون مرحلة -ما بعد قطر- هي مرحلة الصراع بين بن سلمان وحلفائه اليوم.. من يكون رئيس الملّاحين؟

وعودة لبيان الوزراء "المشهود" الذّي مثّل خيبة أمل، وعكس حتماً حالة تخبّط دول الحصار بعد فشلها في تحقيق ولو قيد أنملة من مآربها وراء مقاطعة قطر، فعلى عكس ما كان متوقّعاً لم يتحدث البيان الختامي عن أية إجراءات تصعيدية، رغم وصفهم رد الدوحة بالردّ السلبي على المطالب الـ13، واكتفى نصّ البيان بالتأكيد على استمرار الإجراءات المتبعة حالياً، فقد خلا هذا البيان تماماً من الإشارة إلى طبيعة إجراءات قادمة سيتم اتخاذها، واقتصر على تشخيص اللحظة فقط، وكرّر جميع الوزراء الأربعة فقط العبارات والاتهامات نفسها، ولم يأتوا بالجديد، كما كان منتظراً.

هذا وذهب مراقبون إلى القول إنّ هذا البيان أكّد نقطة واحدة فقط تتبلور بالأساس أنّه لا يمكن الحديث عن فشل الوساطة الكويتية أو توقفها، وهو ما يعني استمرارها، في ضوء ظهور الإدارة الأميركية على السطح، وهو ما يمكن تحليله على أن ترامب سيدعم اتجاه حلّ الأزمة الخليجية لما نجم عنها من تفرّع أزمات في العالم، واختلاف صارخ في مواقف الدول الكبرى.

ورغم اجتماع قادة أجهزة مخابرات دول الحصار قبيل لقاء وزراء الخارجية، وفي نفس المكان القاهرة، فإنّ هذه الدول لم تجد مخرجاً يحفظ لها ماء الوجه، وكان البيان تراجعاً واضحاً في المواقف التي اتخذّوها على عجلة ودون دراسة عميقة.

لم يقتصر البيان "الورطة"، كما أصبح يحلو للعديد تسميته، فقط على حالة تخبّط وزراء المقاطعة، بل حتّى إجاباتهم عن بعض الأسئلة الموجهة لهم من قِبل صحفييهم كشفت عمق الأزمة التي وقعوا فيها، فقد زاد وزير خارجية البحرين الشيخ خالد آل خليفة الطين بلّة، حين قال: إن تهمة الإرهاب لن تطبق على أعضاء وقيادات حركة الإخوان فقط، وإنما على كل من يتعاطف معهم أيضا، وبالتالي فـ"المتعاطفون" سيحاكمون بالتهمة نفسها، وهذا يعني أن كل إنسان، حتى لو كان ليبرالياً أو علمانياً أو حتّى ملحداً ولا يدين بدين الإسلام، لا يؤيد هذه الدول الأربع وينتقد ممارساتها ويرفض القرارات القمعية ضدّ جماعة الإخوان، فهو سيجد نفسه حتماً وراء القضبان وفي السجون السريّة والزنازين، وهكذا سيحتاج هذا القرار "القانون" الذّي تلاه وزير خارجية البحرين إلى اعتقال الملايين، وإنشاء محاكم وسجن مئات الآلاف من المناصرين للإخوان، أو من الرافضين لأساليب القمع والزجر والمدافعين عن حقوق الإنسان، مهما كانت انتماءاته أو طائفته أو عرقه أو دينه.

كما لا بدّ لنا أن نشير أيضاً إلى المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي وتوقيتها المهمّ، والتي أكد فيها الرئيس ترامب على "دعوة جميع الأطراف للتفاوض بشكل بناء من أجل حل النزاع مع قطر"، ممّا يثبت حتماً أنّ لهجة التراجع التي سيطرت على البيان، رغم تعمّد وزير خارجية مصر توشيحه بعبارات حازمة رآها البعض أنّها "لهجة صقورية"، كانت مصطنعة ولم تأت بما هو جديد، واقتصرت على ترديد نفس العبارات التي انطلقت يوم 5 يونيو/حزيران ولم ينتقل "الحسم" و"الحزم" إلى مرحلة جديدة أو مغايرة تكون في حجم لقاء "سادة القرار" قادة أجهزة المخابرات، أو في حجم لقاء الوزراء الأربعة.

من جهة أخرى، لا يمكن التعويل كثيراً على درجة التراجع التي اكتسبها البيان، ويمكن الحديث أيضاً عن تراجع الدول المحاصرة من زاوية أخرى، ويمكن القول إن الأزمة انتقلت من طورها الإقليمي والعالمي إلى الطور المحلّي، خاصّة في ظلّ تصريحات عبد الله بن زايد، وزير الخارجية الإماراتي، الذّي أكد أن الدول الأربع لن تذهب إلى المجتمع الدولي لمعاقبة قطر، وإنما ستتخذ الإجراءات التي تعتقد أنها مناسبة باعتبارها دولاً ذات سيادة، وتملك حق التصرف في إطار القانون الدولي، وحماية مصالحها، وهذا يعني أنه لا يمكن التنبؤ بتصعيد آخر ضدّ قطر على مستوى عالمي، وربّما تقتصر "التصعيدات القادمة" على العقوبات الاقتصادية، ويمكن لهذه الدول أن تتخذّ إجراءات نوعية ضد قطر، مثل دعوة الشركات الكبرى للخروج من السوق القطرية، أو سحب ودائع تلك الدول من البنك المركزي القطري، وبالتالي لا يمكن الحديث الآن بعد هذا البيان عن لجوء "الأربع" إلى التدّخل العسكري المباشر، وستقتصر "حربهم" فقط على بثّ الدسائس والمغالطات الإعلامية، والعمل على تعميق الأزمة داخل البيت الخليجي لعزل قطر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.