المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهلة الباز Headshot

ثم ماذا بعد؟

تم النشر: تم التحديث:

جلست في الهواء الطلق في أحد أيام ديسمبر/كانون الأول الباردة أشرب القهوة الساخنة، يتدفق السائل بداخلي، فيدفئ أعماقي المثلجة ويعيد لروحي الحياة، كانت السحب منتشرة في الفضاء من حولي تكوّن أشكالاً لا ملامح لها، من عادتي أن أتأمل السماء، كلما سنحت لي الفرصة لذلك "صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ"، ومن ثم أتوه في عمق السماء، فأنفصل عن كل ما حولي.

ها أنا ذا أقترب من عقدي الثالث والعشرين، ما هذا؟ هل حقاً أنا على هذا الكوكب ما يقارب الربع قرن؟ ما أسرع الأيام بل والأعوام! أتذكر ذلك اليوم حين أخذني أبي إلى الحضانة ليتركني للمرة الأولى مع أشخاص لا أعرفهم، فأدرك حينها أنني كبرت، وعليَّ أن أبدأ رحلة استكشافي لهذا العالم الغريب.

أتذكر أول يوم لي بالمدرسة، حين أصابني الذهول من كم الأشخاص الذين أصبح عليَّ التعامل معهم، أتذكر أول مرة أشعر فيها بالإنجاز وتحقيق شيء ما، ثم أذهب إلى أمي لتشجعني، أتذكر كم مرة سقطت وأنا ألعب، وعدت إلى المنزل باكية لتحتضنني أمي وتضمد جراحي، أتذكر أول مسابقة للقرآن الكريم شاركت بها، أول إذاعة تحدثت بها، أول صديقة لي، أتذكر الكثير من الأشياء بغاية الوضوح، وكأنها حدثت أمس، متى مر الزمان بهذه السرعة ولم أشعر به؟

تغيرت كثيراً، من سنين المدرسة الأولى إلى المراحل المتوسطة إلى الثانوية العامة ثم الجامعة والآن، أين أنا من هذا العالم؟ كانت الأيام تجرفني بلا هوادة، أتخبط من مكان لآخر ومن مرحلة لأخرى بلا تركيز، أعبر فترات زمنية وأحمد الله على انتهائها غير مدركة أن الأسوأ لم يأتِ بعد، هكذا هو الإنسان دائم التخبط، لا يدرك أهمية ما لديه إلا عندما يفقده، لا يحمد الله على نعمه إلا إذا شعر بسوء فقدانها، لا يتذكر الآخرة إلا بعد موت أحدهم، لا يلعن الدنيا إلا إذا قست عليه ولقنته درساً، نحن هكذا معشر البشر، طماعون، لا نتوقف عن طلب المزيد مهما كان لدينا، لا نكتفي قط.

"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدون"، حاولت وضع هذه الآية نصب عيني طوال الوقت، إلا أن ذلك لم يكن سهلاً، فالحياة مليئة بالأشياء المُشتِتة للقلب والعقل، تظن أنك تمشي على الطريق الصحيح، ثم تدرك فجأة أنك انحرفت، تشتّت، فقدتَ ما يدفعك نحو ما تفعل، الدافع، المحرك الذي بدونه تقف تائهاً وسط العالم الكبير، غريبة هي الحياة، تعطي الكثير وفي المقابل تنهل العمر وتُفقِدُ الإنسان بصلته.

لكني أتذكر أيضاً حرصي الشديد على عدم التوقف، نعم سقطت، تشتّت، انحرفت أحياناً وانهارت قواي أحياناً أخرى، ولكني في كل مرة، كنت أنهض بقوة، كنت أتذكر لِمَ أنا على هذا الكوكب، كنت أدرك أن هناك سبباً لذلك الهواء الذي ما زلتُ أتنفسُه شهيقاً وزفيراً، كنت أعلم في كل مرة أن ربي رحيم، كنت ألجأ إلى كتاب الله باحثهً عن الإجابات؛ ليقابلني مرة "قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قبلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ* أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخرينَ"، ومرة "وَذَا النُّونِ إذ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلهَ إلا أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" وغيرها الكثير، رسائل ربانية كلها في كتاب واحد، إن تركناه ضعنا، وإن تمسكنا به لن نضل أبداً.

علمتني الحياة دروساً كثيرة، وما زال هناك المزيد، ولكن الدرس المستفاد هذه المرة أن "إن كان في العمر بقية، فلتكن خالصة لله وحده، ولتكن الجنة نصب الأعين في كل حين، ولتناسب الأفعال أقوال القلوب قبل الألسنة، ولنحمد الله كثيراً على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة"، عندما ولدتُ كنت أبكي بينما الجميع ضاحكون، تُرى كيف سيكون حالي يوم أرحل ويبكون؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.