المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهيل أبو حامدة  Headshot

مبادرون وعصير الدماغ

تم النشر: تم التحديث:

في أغسطس/آب الماضي كنتُ أتردد على الجامعة الإسلامية في غزة، من أجل متابعة مشروعي الأدبي مع أحد أساتذة قسم اللغة العربية، وفي اليوم المقرر للنقد والمناقشة كنت أقف أمام المصعد في مبنى هيئة التدريس وباتجاه يدي اليمنى كان المبنى مشوّهاً وأجزاؤه العليا مبتورة بفعل العدوان الأخير على قطاع غزة.

وبجانب المصعد يوجد ملصق كبير يعلن عن بدء التسجيل لمشروع "مبادرون" لأصحاب الأفكار الريادية الإبداعية، وما إن قرأت البوستر الإعلاني ضحكت في سري.. ضحكت كثيراً ساخرة.

لماذا ضحكت؟

لأني منذ تخرجي عام 2013 لم أترك محاولة لإيجاد فرصة عمل في غزة إلا وخضتها، ما زلت أتذكر كيف بدأت بالدوران على مؤسسات عديدة من أجل فرصة تطوعية واحدة، ثم انتهى الأمر بي إلى أن أستغل فكرة بحث تخرجي وأعمل على تطويع نتائجها من خلال التطوع في شركة ناشئة.

ولم يكن دخولي إلى شركة ناشئة محض صدفة، فقد كان ذلك من خلال زيارتي لمعرض مبادرون (2)، وقتها أعجبتني فكرة مشروع الشركة وتحدثت مع صاحبتها وحين أغلقت الأبواب في وجهي تذكرتها.

كانت شركة "أنا عربي" للريادية أسماء أبو تيلخ فرصة كبيرة لي للاطلاع على واقع ريادة الأعمال في غزة، فمن خلال عملي معها تعرفت على رياديين ورياديات وشعرتُ أن هناك بارقة أمل في واقعنا المعتم.

وبمرور الأيام وبعد انتهاء العدوان الأخير على القطاع.. علمت أن بعض الشركات الناشئة تضررت مقراتها جرّاء القصف ما دفع بعضًا من الشباب الغزيين المبدعين إلى الهجرة عبر البحر فذهبوا إلى ما تحت الموج.
لهذا ضحكت، لأنني في غزة!

المهم أني صعدت المصعد والتقيت أستاذي وما زال البوستر ملتصقاً بذاكرتي الذهنية.
وحين خرجت، وجدته يملأ اللوحات الإعلانية داخل الحرم الجامعي!
وأنا أقول في ذاتي مبادرون.. لا ليس في "غزة"
لأعود إلى البيت وأجد في الأسبوع التالي أنباءً دسمة من النوع السيئ.. كلها تخبرني أن مخططاتي الإنجازية قد تعثرت.
لأخبر صديقتي أن 2015 هو العام الأسوأ بحياتي وأؤكد لها ذلك.

حين عاد أبي من عمله كنت أسرد له حجم السوء الذي أصابني بفعل غزة! التي لا مستقبل بها ولا لها وعرجت في آخر حديثي معه عن "بوسترات مبادرون" التي تملأ الحرم الجامعي وضحكت أيضاً ساخرة.
ليقول لي بكل جدية: "سجلي، ماذا ستخسرين؟".
قلت له: لا شيء، لكني لا أريد، فلا تُبنى الأشياء في غزة إلا لتُقصف في النهاية!
قال لي: جربي!
قلت له: بماذا أجرب ولم تتح لي فرصة أي عمل في غزة، وكل ما قمت به منذ تخرجي هو تحرير المحتوى عن بعد! ولا أظن أن هذا العمل ينجح في غزة!
وخلال ساعة واحدة كنتُ قد فتحت استبانة التسجيل الخاصة بمبادرون وعبأتها دون إعادة التفكير بها لأني قد أتراجع عن رأيي، وأخبرت زميلاتي بالفكرة لننشئ فريق عمل!

وبعدها دخلت في رحلة على مدار ثلاثة أشهر في عالم ريادة الأعمال التي بدأت بحوالي 800 فكرة ريادية ليفوز في النهاية منها 20 فكرة ريادية بتمويل 4000$ لكي تتحول إلى واقع بعدما حصلت فرق المشاريع على تدريبات مكثفة في مجال خطط الأعمال.

وكنتُ أرى أن فكرة المشروع الذي سجلت به "أكتبلك" لتطوير المحتوى الرقمي العربي تحظى بالرعاية والاهتمام لأن مطوري الأعمال القائمين على "مبادرون" كانوا يمنحونها التوجيه والتطوير والاستشارة اللازمة لوضعها على نقطة الانطلاق الصحيحة.

فعلى اجتماعات مستمرة كان المطلوب من الفريق هو التفكير من أجل تطوير الفكرة كي تدخل عالم "البزنس" بقوة، لهذا قضيت وقتاً كبيراً في التفكير، لأن أي فكرة ناجحة تحتاج إلى عصير الدماغ!
فأنت ستعصر جميع تجاربك في الحياة وخبرتك العلمية والعملية والثقافة التي اكتسبتها من أجل تطويعها لإثراء فكرتك!


وفيما يلي بعض مما استخلصته من تجربتي المتواضعة في "مبادرون":

  • الفكرة دون فريق عمل قوي ومتكامل تساوي صفراً والعكس صحيح.
  • الالتزام بالعمل والإيمان بالفكرة نقطة الانطلاق نحو النجاح.
  • هناك فرق بين التفكير الإبداعي الخلاّق الذي يقفز فوق الحدود والتفكير العادي الذي ينتهي بصورة عامة.
  • العمل لا يحتاج لعواطف بقدر حاجته للإنتاجية.
  • إعادة تغيير مسار خطة العمل وفقاً لاكتشاف أمر جديد شيء حسن وليس سيئًا.
  • التركيز على الجوهر أهم من الهامشيات.
  • تركيز الجهد على أمر واحد لإنجازه أفضل من تشتيته في أكثر من أمر.
  • الفكرة الناجحة لا يحكمها تخصصها بقدر حاجة الناس إليها ووجود سوق فعلي لها.
  • إذا تحدثت عن أفكارك فتحدث بشغف وإيمان بها.
  • ساحة ريادة الأعمال هي مجتمع للعقول الخلاقة التي تريد أن تضيف شيئاً للعالم.

وفي النهاية لا أنسى أن أشكر مطوري الأعمال الذين تابعوا الأفكار ونموها في "مبادرون" م.يوسف الحلاق، و م.نادر عبد النبي وفريق عمل "أكتبلك" والذين مروا وسيمرون عليه وجميع أصحاب أفكار المشاريع الأخرى، التي كانت فرصة للتعرف على عوالم أخرى من الإبداع واكتشاف كل جديد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.