المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نافذ عبد اللطيف سمان Headshot

العنقاء.. نظرة أخرى

تم النشر: تم التحديث:

"لسنا وحدنا"، قرأت هذا العنوان، ذات يوم، لأحد الكتاب المحترمين العرب، وتوقفت حينها برهة، هطلت عليّ الأسئلة، وبدأت تغزل داخلي القصة تلو القصة. أول ما تبادر لي حين قراءتي ذلك العنوان المليء بالايحاءات، خطر لي، أن ماذا لو أضفت جاراً ومجروراً، فصار "لسنا وحدنا في هذا الكون"؟!

لوهلة، شعرت بأن هذا الأمر كبير، وكبير جداً، فعدت لأقول "لسنا وحدنا، هنا"، فتوسعت حدقتا عينيّ، وبدأتا تطوفان حولي، لم يكن الأمر أسهل، فحاولت أن أختصر، قدر المستطاع، فظهر لي "لسنا وحدنا، الآن" و"لسنا وحدنا، أبداً". وهكذا بدا لي أنني أفتح عينيّ، كرجل العصور الأولى، للمرة الأولى.

وبدأت أجزم بأن أول ما نظر إليه رجلنا القديم ذاك، كانت السماء، حيث نسب إليها كل ما لم يستطع تفسيره، فمنها بدأ رحلته نحو تخيّل الرب الخالق، فبدأ بعبادة ما يجول فيها، ثم، وبتطور لاحق، جعلها منطلق الآلهة، ومكان سكناها، وممارسة نشاطاتها، وثم، وبتطور آخر، جعل كل ما يخشاه، أو يحترمه، يجول فيها، ومن هنا أبدأ.

العنقاء كأسطورة
تشكل الأسطورة قاعدة البيانات الأعم، والأشمل، للحضارات الإقليمية بشكل خاص، وللبشرية بشكل عام. ولمرونة تلك الأسطورة، وتجاوبها مع خصوصيات كل منطقة، وتطورات كل زمن، فإن الأسطورة لطالما شكلت القواسم المشتركة، ونقاط التواصل والتمازج بين تلك الحضارات المتواصلة، والمتمازجة، أساساً.

لقد قام أستاذنا الدكتور نذير العظمة بمجهود جبار من خلال حفريته الثقافية في أسطورة طائر العنقاء، وأنا إذ أطلب الإذن لأستفيد من ذلك المجهود المشكور في مقالي هذا، أنقل لكم ما لفت نظري في تلك الحالة المتفردة لطائر العنقاء ذاك، في أسطورتنا العربية، وأساطير الحضارات المجاورة، ذاك الطائر الذي شغل الكل، واتفق الكل على حالته الاستثنائية.

وأنا، بمقالي هذا؛ إذ أعيد قراءة تلك الأسطورة، ومن وجهة نظر خبيثة بعض الشيء، أدعوكم للتحلي، معي، بذلك الفضول الخبيث، وقراءة ما بين السطور بدهشة؛ فالدهشة كما قال أرسطو بداية العلم.

طائر عابر للقارات
انتشر في حضارات الشرق القديم، وروما والإغريق، ذكرُ طائر عظيم يملك مميزات سحرية خاصة؛ فهو تارة يدخل النار ولا يحترق، وتارة يبيض في تلك النار، وتارة يموت ويحيا من نفسه إلى ما لا نهاية، وتارة يعيش دهراً.

وكما تعددت مميزات ذلك الطائر، فقد تعددت كذلك أسماؤه؛ فقد كان ذلك الطائر يدعى في مصر القديمة "بنو" وقد كان يُعبد كروح لأوزوريس، ويرمز إلى تجدد الحياة من بعد الموت. أما في جزيرة العرب، فقد ظهر باسم العنقاء، وقد أكد العرب وجود ذلك الطائر، إلا أنهم اختلفوا؛ هل أبادها الله لدعوة أحد الأنبياء عليها، أم أن تلك الدعوة قد حملت تلك الطيور، ورمتها بإحدى الجزر البعيدة.

في فارس، دعي طائر النار ذلك، بالسيمرغ، وقد شابه العنقاء إلى حد كبير بما يرمز إليه، أما عند الإغريق، فقد عُرف بطائر الفينيق؛ بل واعتبروا أن موطنه الرئيس جزيرة العرب ومصر، كما أكد هيرودوت فيما بعد.

من كل ما سبق، نرى أن الإجماع كان على وجود طائر ما، بمواصفات سحرية استثنائية، ظهر في كل تلك الحضارات، وترك أثره الواضح، رغم أن ذلك الوجود ككل كان ضبابي الملامح.

العنقاء والعرب
اتُّخذ طائر العنقاء عند العرب كناية عن الذهاب بلا عودة، فقد ذكر الجاحظ في كتابه "الحيوان" أن "العرب إذا قالت بهلاك شيء وبطلانه، قالت: حلّقت به في الجو عنقاء مغرب"، فمن البديهي عند العرب أن ما تأخذه العنقاء لا يعود، ولعل إضافة الجاحظ صفة البطلان للشيء، فيها بعض النظر؛ فالكناية هنا لا تتوقف عند حدود هلاك الشيء؛ بل تتعداها إلى بطلانه، ونفي وجوده بالكلية، ولا أدري إن كان يريد بذلك نفي المشبه به "العنقاء" والمشبه "الشيء الهالك" على حد سواء؟

وقد لفتني بيت شعر لأبي نواس، يقول فيه:
كأنها حين تمطو في أعنّتها من اللطافة في الأوهام عنقاء

فمن بديع الصنعة أن يذهب المشبه به إلى حد التطرف في الصفة المراد لصقها بالمشبه، وهنا كانت العنقاء في منتهى اللطافة، وتكاد تقارب العدم بذلك.

أعجبني ذلك البيت، وأكاد أبني نظرية كاملة عليه، كيف لا وايحاءاته رائعة، وغنية، من امتطاء، وأعنة، ولطافة تكاد تقارب الوهم؛ هذه الأمور التي يمكن تسخيرها؟ وبلعبة لغوية بسيطة، نستطيع أن نتخيل شيئاً يطير بحركة لطيفة هادئة تقارب السكون يقاد بأعنّة ممن يمتطيه بخفة تقارب الوهم، ذلك الوهم الذي يغلف وجود ذلك الطائر ككل.

العنقاء بين الوجود واللاوجود
لقد جزم مجد الدين الفيروزأبادي في قاموسه المحيط بأنها "طائر معروف الاسم، مجهول الجسم"، وهكذا لخص لغز ذلك الطائر، ولكن هل فسر الماء بغير الماء؟ فماذا عنى بقوله "معروف الاسم، مجهول الجسم"؟ تُرى هل تمت الرؤية حقاً، وعمّي على الرائي رواية التفاصيل، نتيجة انبهار ما، أو توهج، أو لمعان؟

بعودة إلى مصر القديمة، وطائرها "بنو"، نرى أن اسم ذلك الطائر جاء من الفعل "بن" والذي يعني أشرق وأبرق. هنا دعونا نعد إلى فضولنا الخبيث، والذي يسأل داخلنا: وما هو ذلك الطائر المومض، المبهر، المبرق، المتوهج بالألوان؟ والذي لم يتمكن أحد من تحديد شكل معين له، دفع بالفيروزأبادي -بعقلانيته- يجزم بمعرفة الاسم فقط، دون الجسم؟

وهل هو الطائر نفسه الذي قصده أشعيا بسفره: "كيف هويت من السماء أيها المنير يا ابن السماء يا قاهر الأمم ؟".

العنقاء وطيور الأبابيل
ذكر ابن منظور في لسان العرب أن طيور الأبابيل المذكورة في القرآن الكريم هي طيور العنقاء المعروفة، وفي رواية لعكرمة، مولى ابن عباس، نقل فيها ما أكد رأي ابن منظور، وفي عودة لتلك القصة، نرى أن تلك الطيور -التي ظهرت لتقتل جيش أبرهة، غازي مكة- كانت تحمل حجارة وُصفت بأنها موسومة، أي كانت كل حجرة تحمل اسم الضحية المراد قتلها، وكأنها أحد الأسلحة الذكية التي انتشرت في الوقت الحاضر، ولكن، هل من رابط بين كل هذا؟ دعونا ننتظر.

طائر باسْم وبلا جسد
إذا حاولنا جدلاً أن نوحد الأسماء العديدة التي أُطلقت على صديقنا الغامض، وسلمنا بأن "الفينيق" الإغريق، هو "عنقاء" العرب، وهو "بنو" مصر، وهو "سيمرغ" بلاد فارس- فإننا، ورغم مقولة الفيروزأبادي المنكِرة لمعرفة جسدٍ ما لهذا الطائر الضخم، نجد أن ابن منظور يصف ذلك الطائر بأنه لا يُرى إلا في الدهور، وذلك دلالة على غموضه، وطول عمره.

وبالمسار نفسه، ينقل لنا المسعودي عن ابن عباس قوله إن الله خلق ذلك الطائر على شكل وجوه البشر، هنا يخطر لنا أن نسأل: هل كانت العنقاء بجسد طائر، ورأس إنسان كما وُصفت سابقاً في الهند؟ وهل كان أبو الهول هو عنقاء مصر،؟ وهل عنى فلوبير العنقاء حين وصف السيمرغ، بأنه يحمل وجهاً بشرياً، بـ4 أجنحة، أم أنه تأثر بالمعتقدات الوثنية، والدلالة السحرية للرقم 4، والذي يدل، حسب تلك المعتقدات، على المكونات الرئيسة للحياة، الماء والهواء والتراب، والنار؟

في اليونان، نقل لنا هيرودوت، أن عنقاء الإغريق، الفوينيكس، قريب الشبه جداً بالبشر، في الهيئة، والحجم، فكيف نوفق بين مقولة هيرودوت هذه، وما نقلته لنا الحضارة الفارسية، حيث كان عنقاؤها، السيمرغ، كبير الحجم، واسمه الفارسي مشتق من الكلمتين، سي: وتعني ثلاثون، ومرغ، والتي تعني الطائر، والتي تشكل بمجموعها "30 طائراً"؟ هل من الممكن أن يكون هيرودوت قد خلط ما بين الطائر، العنقاء، والموصوف بالضخامة، ومن امتطى ذلك الطائر، ووصفهم بالشبه الشديد بالبشر؟

هنا، تهبط علينا الصورة الرائعة التي وثقها لنا نبي الله حزقيال في وصفه لملاك الرب الهابط عليه بأرض المنفى، العراق، وحافظ على تفاصيلها كتاب العهد القديم، والتي تكاد تكون مذهلة، ومفحمة بكل ما حملته من تفاصيل ناقشناها سابقاً، ونرى من الممل إعادة روايتها مرة أخرى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.