المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نافذ عبد اللطيف سمان Headshot

لماذا يكره بعضنا بعضاً؟

تم النشر: تم التحديث:

هو عنوان مثير بلا شك، وأيضاً هو مستفز لا شك، ولن يعجب الكثيرين، وخاصة الحالمين وأرباب النفاق الاجتماعي والمؤمنين بنظرية المؤامرة، وهذا أيضاً لا شكّ به مطلقاً، إلا أنه سؤال مشروع وليس من بنات أفكاري، فقد طُرح السؤال منذ عام 2008، إلا أنه كان متوجهاً نحو جنسية عربيّة واحدة، وأعني بها هنا أشقاءنا المصريين.

الدكتور سعيد اللاوندي طرح سؤالاً مؤلماً حينها بعد أن لاحظ مدى الكراهية التي يكنّها المصريون لبعضهم في بلاد الغربة.

وقد بدأ حينها الدكتور سعيد اللاوندي مقاله في المصري اليوم بمقولة شاعر النيل وأمير الشعراء الثاني حافظ إبراهيم، حين قال:
(المصري للمصري كطرفي المقص ما إن يلتقيا حتى يفترقا).

هذا السؤال بمرارته لم يكن يعنيني حقيقة لا من قريب ولا حتى من بعيد، فقد علَّمتنا الحرب السورية أن نحمد الله على القنبلة التي سقطت على بيت جيراننا وأفنته؛ لأنها وبكل بساطة أخطأت بيتنا ومنحتنا فرصة أخرى للعيش.

من هنا آلمني أن يُطرح هذا السؤال من جديد في ألمانيا، وتحديداً في بدايات العام الماضي، في عز طفرة تدفق لاجئي الشرق الأوسط على وسط وغرب أوروبا، حيث قرأتُ للصحفي الألمانيّ GERARD DRIEHUIS تساؤله (Waarom slachten moslims elkaar af)؟
لماذا يذبح المسلمون بعضهم؟ وقد أرجع دريهوريس ذلك العنف والكراهية إلى بقايا النزعة القبلية إضافة للصراعات الطائفية التي يعمل على تأجيجها رجال الدين منذ عقود قبل أن يُصرّح بكل صفاقة بأن الإنسانية هي اكتشاف غربيّ قح.

هنا لا تملك سيئاً تدافع به عن قومك، هل ستقول سامحوهم إنهم لا يفقهون، أم نركن لمقولة هؤلاء لا يمثلون الإسلام، تلك المقولة التي أصابها التلف من كثرة الاستخدام، ومجّها قائلها قبل أن يمجّها سامعها.

منذ مدة أرسل لي أحد الأصدقاء كلاماً طُرح في أحد مخيمات استقبال اللاجئين في ألمانيا أيضاً، استفزني الأمر وأنا أقرأ سؤالاً لم أكن أتوقعه، لماذا يكره السوريون بعضهم بعضاً؟
لستُ مُلماً باللغة الألمانية، ولستُ من معجبيها بصراحة، إلا أن الحمية قد استيقظت داخلي، وبدأت أبحث في المواقع الألمانية عمّا سماه صديقي (توجهاً عاماً) هناك.

لفتني بدايةً مقال للصحفي Roks Sander يتحدث عن ذهوله من مدى الكراهية التي لمسها لدى القادمين الجدد.

هنا وكالعادة يُرجع صاحب المقال تلك الكراهية لأسباب دينيّة بحتة، حيث ينظر القادمون الجدد لمستضيفيهم الألمان نظرة دونيّة شنيعة؛ حيث يشبهونهم بالخنازير ويرون أن كل نسائهم عاهرات ورجالهم من النوع المخنث.

طبعاً أعذر الأوروبي الذي تفاجئه تلك النظرة والتي سرعان ما يستسهل ويلصق التهمة بالفروقات الدينية.

حيث ينبش المواطن الغربي كتب التراث الإسلامي ومقالات علماء الدين الإسلامي ليستشهد بمدى الكراهية التي يوزعها هؤلاء على الجميع، مبررين ذلك بأن الدين الإسلامي هو دين استعلاء، كما قال أبو الحسن الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)؛ حيث يكمل الندوي واصفاً العقيدة الإسلامية بأنها: تشعر المسلمين بالتبعة الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية، تبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة.

هذه النظرة للأسف لم تمت مع الندوي أو مع من تلاه من مُنظّري الإسلام السياسي، بل هي نظرة تجذرت في مجتمعاتنا ونقلناها للأسف لمهجرنا هنا.

هنا طبعاً أحسد الغربيّ الذي وجد لنفسه سبباً يبرر له تلك الكراهية، وأجلس متحسّراً على سوريّ هدمت الحرب بيته وأكلت رزقه وشرّدت إخوته ولحقت به الكراهية إلى مهجره، وممن؟ مِن بني جلدته الأقربين.

لن أنكر هنا المؤثرات الخارجية التي دفعتنا إلى هذه الحالة المرضية، ولن أنكر أننا بحاجة ماسة للاعتراف بأننا كلنا مصابون بنوع من البارانويا التي تمنعنا حتى من الاعتراف بذلك، ولذا أتوقع هنا أن ينبري الحالمون والطوباويون ومحترفو النفاق الاجتماعيّ؛ لينفوا هذه التهمة، وسيرددون كالعادة نظريات المؤامرة وشق الصف، وسيطالبون بعدم نشر الغسيل الوسخ، وسأستغل هنا الأمر وأسألهم وأسأل نفسي:
لم نقتل بعضنا داخل الوطن من سنين دون طائل؟
لمَ نقتل بعضنا ونشمت ببعضنا ونفرح بمآسينا ونستغل بعضنا ونسرق بعضنا، حتى في المناطق التي تحكمها سلطة واحدة أو فصيل واحد أو حتى لجنة أمنية واحدة؟
لم يسطع نجم الفاسدين في مجتمعنا وكأنه نجم سماويّ ويُحارب كل صادق ناجح مبدع؟
لم تسيطر المناطقية على تجمعاتنا في الغربة؟ ونرمي بالكفر والعمالة كل من أراد لنفسه نجاحاً أو تميّزاً؟

لمَ لا زلنا نمارس سياسة المماليك بخوزقة كل صاحب فكر أو اتجاه مُخالف؟ لم نتهم الغرب بالعدائية والعنصرية ونحن نكره بعضاً ونحسد بعضاً ونتزلف للغربيين بشتم بعض؟

كنتُ أبرّر سابقاً بعوامل القهر السياسي والاجتماعي، لكننا ما زلنا نستغل بعضنا في دمشق وحماة وإدلب والساحل والرقة وعلى امتداد الوطن.

نستغل بعضنا في أنطاكية وأضنة وأنقرة وإسطنبول، نكره بعضنا في القاهرة والإسكندرية والخليج.
في أوروبا ندّعي أننا متحضرون ونخفي كرهنا للمجتمع الذي نتمنى أن يحتضننا وننادي بعدم الاندماج به.

نقتل بعضنا منذ وفاة النبي ومقتل علي وأبنائه، ونُسلّم مدننا للمغول والصليبيين ولكل غزاة الأرض.

نُردّد منذ مئات السنين أشعار داحس والغبراء، ونعتبر الزير والجساس من أبطالنا القوميين، وهما من أوغل بدماء العرب وأطلق أهازيج انتصاراتهما على جثث أبناء جلدتهما.

دعونا من النفاق الاجتماعي ولنتصارح، نحن نحب بعضاً عندما نتواجه وجهاً لوجه فقط، ونطلق خوازيقنا لتطال كل مَن يُدر ظهره لنا.

أعلم أنه من المؤلم أن تقرأوا هذا، ووالله إن كتابته لم تكن أقلّ إيلاماً، إلا أن تشخيص الحالة هو أولى طرق علاجها.

سأترك لكم هنا مخططاً لما يمكن أن يكون سبباً لما نحن فيه، وأقول بكل بساطة: والله لن ينقذنا مما نحن فيه إلا المحبة، ولا شيء إلا المحبة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.