المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادرة الزين Headshot

ابنتي.. كوني لي عيوناً تقرأ

تم النشر: تم التحديث:

أعذريني يا ابنتي؛ لأني أُميّ لا أعرف القراءة ولا الكتابة، أرتبك عندما أذهب معكِ إلى المطعم وأمسك لائحة الطعام كما تمسكينها، وأتظاهر بأني أقرأ فيها وأختار.. فتنبهينني إلى أنني أمسك القائمة بالمقلوب، فأتحرج وأضعها جانباً، وأقرر أن أطلب ما ستطلبينه.

لا تلوميني يا ابنتي ولا تخجلي مني، فظروفك التي عملت سنوات لأؤمنها لكِ لم تكن متاحة لي، فقد أعتاد زوج أمي أن يضربني على أصابعي بالخيزران كلما حاولت أن أمسك القلم لأكتب، كان يخاف أن أكتب، كما أنه أرسلني لأعمل في ورشة للخياطة لأعوله وأمي وإخوتي، وكنت أعمل من الصباح إلى المساء، حياتي كانت كدّ وتعب، ولم يُتَح لي فرصة لأنهل من العلم الذي بذلت الغالي والنفيس لتنهلي منه.

أعاني من الضغط والسكري والإمساك المزمن وأتناول حقيبة من الأدوية يومياً، لكني لا أحفظ أسماء أدويتي التي أتناولها، وأميزها من شكل عُلبها فقط، فلا تتأففي منّي عندما أسألك لترشديني إليها عندما تكون مجردة من عُلبها.

وأعذريني عندما أخطئ لفظ ماركات أجنبية تتحدثين عنها أو تطلبين مني شراءها لكِ، فأنا بالكاد أفك حروف ما تقولين، فإن طلبتِ منّي أن أشتري لك عطر غوتشي، فسأطلب من البائع أن يعطيني عطر غوشي أو جوشي، وسيضحك عليّ كثيراً قبل أن يفهم ما أريد.

أعرف أنك حاولتِ كثيراً أن تعلميني كيف أتهجّى الحروف وأكتبها كأني طفل في السادسة، في حين أنكِ تقرئين كتباً ومجلدات بعدة لغات، وأعذرك على كل مرة فقدتِ فيها صبركِ عليّ وغضبتِ من بطء فَهمي لما تقولين، فعقلي ليس مرناً كعقلكِ، ألا يقولون إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر والعلم في الكبر كالنقش على الماء، كنتِ تنقشين على الماء يا ابنتي.. فما كنتِ تعلمينني إياه ما كان يستقر في ذهني إلا ساعات أو أياماً في أفضل الحالات.

سامحيني لأني أذهب للنوم باكراً عندما أجدك مندمجة في مشاهدة فيلم أجنبي، فلستُ أفهم اللغة المحكية ولستُ قادراً على قراءة الترجمة، ومشاهدتي لتلك الأفلام معكِ لطالما زادت من عزلتي وإحساسي بأني عبء عليكِ، أمنعك من الاستمتاع بما تشاهدينه عندما كنت تحاولين جاهدة شرح الأحداث لي فيفوتك الكثير من الفيلم.

أؤمن بالله يا ابنتي، لكني لم أقرأ القرآن يوماً.. أؤمن بما فيه بقلبي وأسعد بالاستماع إليه وتطمئن له نفسي، لكني لا أعرف شكل حروفه وكلماته.

إنني كائن على الفطرة، أعرف أن الغش حرام والسرقة حرام ولم أطعمك يوماً إلا حلالاً صافياً، لا لأني تعلمت ذلك في المدارس والجامعات ولا حتى في الكتاتيب، لم أدخل أياً منها يوماً، لكني كنت دائماً أتبع قلبي، وأعرف أن الله معي وهو ناظري وحافظي.

أنا جيد الحفظ يا ابنتي، فأنا أحفظ أسماء جميع الموظفين في المعمل الذي أعمل فيه، وعددهم يتجاوز السبعمائة وأحفظ مقاساتهم، أوزع عليهم زيهم الموحد كل صباح وأصلح لهم العيوب فيه، قمت بكتابة أسمائهم على قمصانهم بمساعدة زملائي، يكتبون الاسم لي وأنا أخيط فوقه، وأحفظ رسم الأسماء وبذلك أميزها، وإن كان الحرف باء أو ياء أو تاء لا تفرق بالنسبة لي.

كثيراً ما تمنيت أن يكون لي هاتفي المحمول كباقي زملائي في العمل، ولكني كنت أعرف أن ذلك ضرب من الخيال، فبالإضافة لضعف بصري فأنا لا أستطيع قراءة المكتوب على شاشته ولا أعرف القوائم وليس بإمكاني كتابة رسالة لكِ حتى، ويقتصر استخدامي له على زر الاتصال السريع، أتصل بكِ بالضغط المتواصل على الرقم 2 كما علمتني، كما أني أجيب إن اتصل أحدهم بي دون أن أعرف مَن هو، وهذا كل ما أستطيعه مع هاتفي المحمول.

لطالما كنت وحيداً يا ابنتي، وكثيراً ما تعرضت للاستغلال بسبب جهلي، لكنكِ الآن كبرتِ وتعلمتِ وعندما تكونين معي أحس بالقوة فأنتِ عيناي القادرتان على القراءة، أعتمد عليكِ يا ابنتي وأثق بكِ، وأعرف أنك ستنبهينني عندما أخطئ أو عندما يُطلب منّي التوقيع على أوراق لا أفهم فيها أي كلمة.

آه يا ابنتي كم أحب الكتب المطبوعة، أحب الحروف والكلمات، كم كنت أتمنى أن أكتب، أن أملأ العالم كتابةً، كنت أحلم بذلك وأرسم الحروف في الهواء، لا كما أعرفها -فأنا لا أعرفها- بل كما أظنها ويصورها لي خيالي.

لا تخجلي من جهلي يا ابنتي.. ولا تستعرّي منّي.. لا تخجلي من إخبار أصدقائك أني أُميّ لا أقرأ ولا أكتب، لكن لا تنسَي أيضاً أن تخبريهم أني بذلت جهدي وكل ما بوسعي لتتعلمي، إيماناً مني بأن العلم سيحرركِ ويقويكِ ويجعل منكِ ابنة أفخر بها؛ لذلك كوني فخورة بي أيضاً، وتعلّمي يا ابنتي بقدر ما تستطيعين.. تعلّمي عنك وعني.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.