المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادرة الزين Headshot

مما علمتني الحياة: ما أملكه ليس بالضرورة لي!

تم النشر: تم التحديث:

كانت ليلة شتوية من ليالي تشرين، خرجت من مقر عملي في السادسة مساءً، هبطت بناء الشركة الذي يتألف من أربعة طوابق، مشيت في زقاق قصير يفضي إلى شارع تزدحم فيه السيارات.. إضاءة الطريق خافتة، زخات المطر كانت تشتد شيئاً فشيئاً، الناس في هذا الوقت من الليل قليلون،

خاصة بعد الأزمة (مصطلح متداول بين السوريين يُقصد به الحرب وما تبعها من انقطاع ماء وكهرباء ووسائل تدفئة)، الأرصفة ضيقة والبسطات عليها كثيرة تزيد من ضيقها وتجبر المارّة على السير في الشارع، وتَشَارُكه مع السيارات، بِرك الطين بدأت تتشكل، لكنها سطحية لا ضير منها.

كنت جائعة جداً فتوقفت عند أحد البائعين واشتريت قطعة كبيرة من الشيكولاتة الفاخرة لأسدّ بها رمقي، وضعتها في جيبي، وكنت أسترق النظر إليها من حين لآخر، وأتوعدها بأني سآكلها ما إن أجلس في الباص.

وصلت إلى الكراج الرئيسي؛ حيث تجتمع الباصات المتوجهة إلى غرب المدينة، أكره هذا المكان كثيراً وأشعر أنه أكثر مناطق دمشق قذارة واتساخاً وازدحاماً في كل الأوقات، البسطات هنا قليلة، ولكنها تزداد تدريجياً وهناك شخص يقوم بالشواء، رائحة كباب تصدر دائماً في هذا المكان، وتجعلني أتمنى أن آكل من ذلك الكباب المشوي رغم يقيني بقذارة المحتوى.

تأخر الباص.. لم أشأ أن أتأخر أكثر، فركبت أول سيارة أُجرة مرّت من أمامي، السيارة من الداخل مظلمة تخترقها أضواء السيارات المارّة من حين إلى آخر لتشفَّ عن وجوه الركّاب، تبين لي فيما بعد أن كل الركّاب كانوا من الفلسطينيين الذين سكنوا ضواحي دمشق بعد نزوحهم للمرة الثانية من مخيم اليرموك (منطقة في دمشق معظم سكانها من الفلسطينيين)،

تحدثوا في ما بينهم عن آلامهم والمصائب التي ألمَّت بهم بسبب الأزمة، كانوا يتحدثون بانفتاح وارتياح تام وكأنهم أسرة واحدة تتبادل أطراف الحديث على طاولة العشاء، هذا ما يفعله الألم حقيقةً، يوحّد البشر ويجعل منهم أسرة واحدة، لفتني أن أحدهم ما زال يحتفظ بمفتاح بيته في فلسطين، ورثه عن والده، ويعتقد أنه سيُورِث مفتاح بيته في مخيم اليرموك لأولاده!

كنت شائحةً بنظري نحو الخارج الذي لا أرى منه شيئاً، أستمع باهتمام لأحاديث وقصص من حولي، فتذكرت الشيكولاتة التي اشتريتها، وقررت أن الوقت قد حان لالتهامها، مددت يدي إلى جيبي لأخرجها، وإذ بإحدى السيدات في السيارة تسأل عن أي شيء تأكله؛ لأنها لم تأكل شيئاً منذ الصباح،

ومن شدة جوعها بدأت تشعر بانخفاضٍ في ضغطها وسكر دمها وتباطؤ في ضربات قلبها! لم أشأ أن أعطيها قطعة الشيكولاتة التي اشتريتها، فانتظرت أن يُعطيها أحدهم شيئاً، لكن بعد أن فتَّشت النساء في حقائبهن والرجال في جيوبهم أجاب الكل بالنفي، لا أحد معه ما يمكن أن يؤكل.

تظاهرت أني كالباقين أبحث لها في حقيبتي عن شيء تأكله، ولكني لم أجد شيئاً، تجاهلت الموضوع وأشحت بنظري من جديد نحو الخارج، لكن ضميري بدأ يؤنبني، ربما عليّ أن أعطيها الشيكولاتة التي بحوزتي.. وأخذتْ نفسي تنازعني.. أعطيها، لا أعطيها، أعطيها.. حسناً سأعطيها إياها وأنقذ حياتها وأريّح ضميري فرغم جوعي الشديد وشوقي لتناولها فإن ضغطي وسكر دمي وضربات قلبي ما زالت على ما يرام،

تظاهرت أني أدخلت يدي في جيبي فتفاجأت بقطعة كبيرة من الشيكولاتة، قدّمتها لها وابتسمتُ قائلة: حظك جميل يا سيدتي، "صحة وهَنا"، شكرتني كثيراً وشكرني كل مَن في السيارة حتى السائق، ودعوا لي بالخير لعشر دقائق متواصلة؛ مما جعلني أشعر أني قمت بعمل نبيل "ظاهرياً"،

أما باطنياً فكنت أشعر بالغيظ من تلك السيدة؛ لأنها أكلت الشيكولاتة الخاصة بي، عندما ترجّلت من السيارة كنت أنوي شراء قطعة أخرى من الشيكولاتة، لكن كل المحلّات المجاورة لبيتي كانت قد أقفلت.

رويت ما حدث معي لأهلي، فقال لي والدي: أرأيتِ يا ابنتي! اللقمة قد تصل إلى فمك وتذهب لغيركِ، ألم أخبركِ بقصة حبة الجانرك؟! لا، ما هي تلك القصة؟ (في الواقع أحفظ هذه القصة كاسمي، سمعتها منه أكثر من مائة مرة، لكن لا بأس، لا ضير أن يصبح العدد مائة وواحد)،

تتلخص تلك القصة بأن ابن عم والدي أو صديقه - في روايات أخرى - ذهب مع والده إلى حقل الجانرك، فقطف الأب حبة من شجرة الجانرك وقدَّمها لابنه.

الحبة كانت كبيرة جداً على الفتى الصغير فعلقت في حلقه وكادت تخنقه، حمل الوالد ابنه وركض به إلى أقرب مشفى وأثناء ركضه خرجت حبة الجانرك من فم صغيره، وتدحرجت لمتر أو مترين ثم ارتطمت بحذاء امرأة كانت جالسة على حافة الطريق، سُرّت المرأة كثيراً بحبة الجانرك فمسحتها بطرف ثوبها وأكلتها على الفور، ويضرب والدي هذه القصة مثالاً على تقسيم الأرزاق فابن عمه تشردق بحبة الجانرك؛ لأنها لتلك المرأة وليست له.

وعادة ما يردف والدي هذه القصة بالحديث عن جارنا أبو محمد، وقصته التي أصبحت مضرب المثل في أسرتنا بل في حيّنا بأكمله، فقد اشترى ذلك الرجل بيتاً في حارتنا، ولم يكن لديه ما يكفي من المال؛ ليقوم بإكسائه فكان يقوم بتصليحات بسيطة من حين إلى آخر واستمر به الحال كذلك خمس سنوات حتى أتم إكساء البيت بالطريقة التي تحلو له،

وعندما بدأ بنقل أغراضه إلى البيت ليسكنه أصابته ذبحة صدرية وتوفي على أثرها، لم يسكن في بيته ولا حتى ليوم واحد!

المهم في الموضوع أن هذا الموقف وقصص والدي علمتني أن ما أملكه ليس بالضرورة لي، وفي كثير من الأحيان يكون الإنسان وسيطاً ليس إلا، ينقل الرزق من شخص إلى شخص ومن مكان إلى مكان.

لكلِّ امرئٍ رزقٌ وللرزقِ جالبٌ ** وليس يفوتُ المرءَ ما خط كاتبُهْ
يُساقُ إِلى ذا رزقُهُ وهو وادعٌ ** ويُحرمُ هذا الرزقَ وهو يطالبُهْ
أبو الشيص الخزاعي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.