المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادرة الزين Headshot

في مجلس العزاء

تم النشر: تم التحديث:

عندما كنت صغيرة لم أكن أشعر أن حضور مجالس العزاء واجب اجتماعي، كما أن أمي لم تأخذني معها يوماً، كان حضور أمي ينوب عن حضوري، الآن كبرت واستقل حضوري عن حضور أي أحد، لديّ واجباتي الاجتماعية التي لا بدّ أن أؤديها بنفسي، وقررت الذهاب إلى أول مجلس عزاء، فرأيت ما رأيت.

على الباب الخارجي لصالة التعزية عُلق نعي للفقيدة.. ذُكر فيه أن المرحومة هي حاجّة، ابنة حاجّ وزوجة حاجّ، وابنها الأول هو المهندس فلان، والثاني الدكتور فلان، وصهرها العقيد فلان.. وأن قبرها في حي راقٍ، وستُقبل التعازي بوفاتها في صالة فاخرة.. وغيرها من زخرفات الأحياء التي لا تفيد الأموات في شيء.

دخلت مجلس العزاء وأنا لا أعرف كيف أتصرف وما عليّ أن أفعل، فقررت أن أصمت.. وأن لا أتفوَّه بكلمة، ربما لأني أحسست أن الصمت في حرم الموت واجب.. فصمتت وكنت أراقب كل شيءٍ بصمت.

تُرى ماذا يفعل الناس -النساء خصيصاً- في مجالس العزاء؟ هل يحزنون أم يتصنعون الحزن؟ هل يتذكرون الميت ومناقبه؟ هل يتذكرون الموت؟ أم لا شيء من هذا..
وعَلا دوّي أصوات النساء من حولي فسمعت مقاطع مختلفة من محادثاتهن.

سمعت إحداهن تقول: الحمد لله لقد ارتاحت بموتها.. تلك المسكينة كانت تعاني من "ذلك المرض" أبعده الله عن السامعين، فترد عليها أخرى: إيه والله ارتاحت وريّحت.

فسرحت وأخذت أفكر.. ارتاحت! وما أدراكم أنها ارتاحت، هل لأن آهاتها لم تعد مسموعة، فمعنى ذلك أنها لا تتألم؟ أم لأن جسدها توارى تحت التراب فهل يعني ذلك أن كل جروحها اندملت ولا جروح بقيت لتنزف؟ اصمتن يا سيداتي.. اصمتن ولا تقلن أشياء لا تعرفنها، فالإنسان لم يكن يوماً جسداً ومادة، هو روح قبل كل شيء.. وتلك الروح السابحة في ملكوت الله ما أدراكم أفي نعيم هي أم في جحيم؟!

ثم ما معنى كلمة ريّحت؟! تقصدون أن أولادها ارتاحوا بموتها، لمَ لا تقولون إنها عذبتهم برحيلها، فكم كانوا ينالون من الفضل والثواب لمجرد كأس ماء يروون بها عطشها، أكان يرهقهم تبديل شراشف سريرها كل صباح؛ لأنها غير قادرة على قضاء حاجتها بشكل طبيعي؟ إذاً فكّرن كم تحملّت هي منهم عندما كانوا أطفالاً ضعفاء لا يقدرون على شيء.. كم أنتم ظالمون عندما تقولون ما تقولون.

وقطع أفكاري صوت امرأة عن يميني تسأل امرأة عن يساري: كم كان عمر الفقيدة؟ فتجيبها: 80 سنة. فتضحكان معاً وتعلّق إحداهما: إيه الله يرحمها، حاجتها، هل ستأخذ عمرها وعمر غيرها.

فسألت نفسي: تُرى لو كان هذا العزاء لشابة صغيرة أسيكونون بهذه اللامبالاة؟ كيف يجرؤن على التفوه بمثل هذا الكلام! أشكرك يا ربّ أنك لا تستشير أحداً في أجلك.. ربما لو كان الأمر بيدهم ما كانوا ليعطوها أكثر من 60 سنة أو ربما يجدون أن 50 سنة تكفيها وزيادة، لكنهم يتمنون لأنفسهم أن يعيشوا إلى 100 وبعدها.

لماذا لا يفكّرن أن هذه السنوات الثمانين ربما جعلت من الفقيدة جدّة محبة وامرأة حكيمة وبركة لمن حولها بلسانها الذي يلهج بالدعاء ليل نهار، كيف لا يتذكرن قول الرسول الكريم إنكم "إنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم"؟! وكيف لم يفكّرن في إنسانيتها قبل كل شيء؟ كيف غاب عن أذهانهن أن الحياة قيّمة وثمينة ويجب أن نحافظ عليها حتى آخر قطرة وآخر نَفَس.. ممنوع أن نفرح بزوالها عن أحد، صغيراً كان أم كبيراً، سليماً أم عليلاً.. وأهمية حياة طفل في عمر الثماني سنوات بأهمية حياة شيخ في الثمانين وأهمية حياة المريض بأهمية حياة القوي السليم، ولا فارق بينهم.. فيا ليتهم فكّروا قليلاً بما يقولون.
وسمعت مما سمعت حديثاً لامرأة تسأل أخرى عن كيفية صنع قالب حلوى على طريقة الشيف الذي يظهر في إحدى القنوات كل خميس وثانية تبحث لابنها عن فتاة تصلح للزواج وثالثة تتناقش مع الآخرين عن مكان ليذهبن إليه بعد العزاء ليُرفّهن عن أنفسهن.. ورابعة.. وخامسة.. حسناً.. ما لي وما كان يتحدثون.. الحي أبقى من الميت على كل الأحوال.

في مجلس العزاء ذلك، كان كل شيء موجوداً.. الكثير والكثير من النساء والكثير من الطعام والكثير من العلاقات الاجتماعية المتكونة والأحاديث المتبادلة والكثير من كل شيء.. لكن الحزن كان مفقوداً، والتفكّر بالموت وقيمة الحياة أظنه كان معدوماً أيضاً ولا أستطيع الجزم فأنا لا أعلم سرائر الناس، ربما كان بعضهم يفكّر فيما أفكّر فيه.

لكني تذكرت قول الشاعر:
الناس في غفلة والموت يوقظهم ** وما يفيقون حتى ينفد العمر
يشيعون أهاليهم بجمعهم ** وينظرون إلى ما فيه قد قبروا
ويرجعون إلى أحلام غفلتهم ** كأنهم ما رأوا شيئاً ولا نظروا

لكن.. اسمح لي يا صديقي الشاعر أن أقول لك إن غفلتهم أصبحت مستمرة، والموت لم يعد يوقظهم!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.