المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادر نجم Headshot

المجتمع النخبوي "سيسيولوجيا القمة والقاع"

تم النشر: تم التحديث:

لعل الزج بمصطلحي "القمة/ القاع" في دراسة سيسيولوجية، قد يوحي للوهلة الأولى بأننا بصدد الحديث عن جدلية "العبد والسيد" من الناحية السلطوية ووجهها التنفيذي، إلا أننا في الحقيقة بصدد بحث فكرة الوعي لدى قطبي المجتمع، حيث إن القمة هنا لا نقصد بها أي تصنيف عرقي يستهدف تمييز أحدهم وفقاً لما منحته المكتسبات الإرثية. وكذلك القاع أيضاً؛ فقد يتدرج أهل القاع إلى القمة ممثِّلين بذلك قمة جديدة والعكس صحيح.

جرى التاريخ في ديمومة راديكالية تجعل القمة منوطاً بها تشكيل آراء الجماهير وأفكارهم حول المسائل المهمة، وغير المهمة أيضاً كالاعتقاد والسياسة والإعلام وهكذا. فإذا قررت قمة ما تحريك الوعي في اتجاه بعينه، فإنها تفعل حتى وإن كان هذا الاتجاه لا يخدم مصلحة الأفراد. كما ليس من الضروري دائماً أن تعبر هذه القمة عن تطلعات وآراء الوسط والقاع، وإنما في أغلب الأحيان تكون مفارقة عنهم، ويتجلى ذلك في أول لقاء واقعي خارج شاشات التلفزة وقنوات التواصل الاجتماعي.

تكون ظاهرة القمة والقاع بكامل اتصالهما الفكري وانفصالهما في المجتمعات الديكتاتورية التي تنفصل فيها الإرادة العامة عن تطلعات الجماهير وآلامهم أو آمالهم. فهي تتصل بدهماء الناس اتصالاً مباشراً بحيث تصبّ في وعيهم ما يخدم أغراضها.

إن المجتمع القَبَلِي المغلق "النخبوي" صورة حية لهذه الأزمة. ففي هذا المجتمع، يكون لرؤساء القبيلة "الساسة" إصدار القرارات، التي وإن كانت مجحفة لا يمكن لشيخ القبيلة العدول عنها؛ فقط لأنه الأكبر ويتمتع بسلطة مطلقة لا توفر لذويه رفاهية الرفض أو التعقيب. هذه السلطة الأبوية يمارسها رجال الإعلام والسياسة في المناخ غير الديمقراطي، فتلتبس مفاهيم الوطنية والإيمان، وتصبح الأولى متمثلة في شخص العَلَمْ، والثاني متمثل في بعض الطقوس الوهمية التي لا تستهدف إلا لاستنساخ الله في صورة أحدهم.

ويخاطَب حس الجماهير عندها بمشاعر مزيفة تحمله على تحمّل ما لا طاقة له به؛ فقط لأن الوطن يريد منك أن تفعل. كأشط ما تكون الغوغائية وثقافة القطيع، تتحول تلك الجماهير آنذاك إلى أداة بيد القمة أو النخبة، بحيث تضع بين يدي الجماهير المغيبة ذاك الزناد، الذي من شأنه أن يودي بالآخر أياً كان هذا الآخر حتى وإن كان المنطق وقواعد التفكير السليم.

ومن ثم، يطل "الوعي الزائف" ضيفاً شرعياً من شباك الديكتاتورية. وتجد الجماهير نفسها منسحقة بين سندان الأيديولوجيا ومطرقة اليوتوبيا. بين واقع مرير غير مبرر وهلامي غير محدد ومستقبل مشوش؛ لأنها لا تعرف كيف تكون أملاً على ألم؟ تختنق الثقافة آنذاك، ويتسيّد المجتمعَ أراذله وينزوي المفكرون والمثقفون الحقيقيون ليفسحوا -قسراً- المجال، فتسود بذلك ثقافة اللا ثقافة ويصير العلم مستهجَناً والدين فتاتاً.

عند هذه الحالة الكبيرة من التشويش واللاحقيقة أو ثبات، ينبغي أن نعود وبشكل جمعي إلى أكثر اعتقاداتنا وجاهةً واعتباراً كنقطة انطلاق جديدة للفكر والوعي. لعل هذه هي المهمة الصعبة والسباق العسير الذي يتحتم على الجماهير خوضه. وهنا، يتضح الدور القيادي لتلك الطبقة الخارجة عن اتصال قطبَي المعادلة (القمة/ القاع)، ولم تخضع لعملية التزييف الحاصل أن تبذل ألف (سقراط) جديد يحيل المفاهيم إلى دقتها الأولى وتحديدها ويبعث في الوعي الجمعي روحاً أخرى أكثر دقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.