المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادر بكار Headshot

مفاجأة الرياض الاستراتيجية

تم النشر: تم التحديث:

(١)
الرياض قررت أن ينفض سوق التكهنات حول خطوتها التالية ربما حتى قبل أن ينعقد؛ فبمجرد إعلانها الرسمي عن تواجد طائرات حربية سعودية بقاعدة إنجرليك التركية يتضاءل الحديث عن احتمالية تدخل بري (سعودي-تركي) في سوريا ليفسح المجال لنقاش آخر حول مدى التدخل وأهدافه الإستراتيجية ورد الفعل المتوقع من الطرف الثاني للصراع وبالأخص موسكو قبل إيران.

كلا الفريقين يخوضان (لعبة إستراتيجية) شديدة الخطورة ومحدودة الخيارات بشكل مخيف؛ هي أقرب إلى الدفع باتجاه حافة الهاوية (The Game of chicken) يراهن فيها كل لاعب على تراجع خصمه في خطوته التالية عن التصعيد، ولا بد أن تنتهي بانتصار أحدهما على الآخر دون أي حلول توافقية.. هذا ما يبدو حتى هذه اللحظة.

السياسة السعودية في التعامل مع الوضع الكارثي لكل من اليمن وسوريا في نفس التوقيت كان إستراتيجية يصعب القول بأن اللاعب الإيراني قد توقعها ولو بنسبة ضئيلة، فالمؤشرات كلها كانت ترجح أن الإيرانيين راهنوا على انشغال الرياض بحربها في اليمن عن الالتفات للواقع الجديد الذي ترسمه طهران في العراق وسوريا بمساعدة روسية وتجاهل أميركي.. ابتلع الإيرانيون قرار السعودية بالتدخل في اليمن بصعوبة فاختاروا على مضض خسارة (تكتيكية) في اليمن مضحين بإنجاز الحوثيين الضخم على أمل تحقيق انتصار (إستراتيجي) في كل من سوريا وما تبقى من العراق يسمح بالتقاط الأنفاس قبل معاودة الكرة.. أمل تبخر سريعا بعد المفاجأة الإستراتيجية السعودية.

(٢)
ويمكن بقليل من التحفظ القول بأن الرياض قد رسمت بالفعل ملامح جديدة لشكل الصراع في المنطقة باجتذابها أكبر عدد من الدول الإسلامية والعربية لتشارك في تحالف عسكري غير مسبوق بداية من التخل في اليمن ومروراً بمناورة (رعد الشمال) وليس انتهاءً بتحالفها مع الأتراك في سوريا والعراق.

هذه الملامح الجديدة تجاوزت اللاعب الإيراني وحصرته في خانة ضيقة تنزل رتبة عن خانة الروس التي صارت في أفضل النتائج ردود أفعال وضربات انتقامية وترقب لخطوة الرياض التالية.

مبرر الغزو (الروسي) لسوريا كان محاربة الإرهاب؛ ومع ذلك لم تقصف الطائرات الروسية غير المعارضة (المعتدلة) لإحداث حالة من (فراغ القوة) تسمح بفرض خيار استمرار (بشار) على المجتمع الدولي من وجهة نظر موسكو.

ورغم أن كلاًّ من تركيا والسعودية قد أكدتا على أن دخول قواتهما البرية إلى سوريا سيكون موجهاً ًلمحاربة (الإرهاب) الذي طال أراضيهما ومواطنيهما بشكل مباشر منطلقاً من سوريا والعراق، إلا أن ردود الفعل الروسية والإيرانية (المتشنجة) دلت صراحة أن جولة الصراع بالوكالة قد مضت إلى غير رجعة وأن القادم لا يحوي إلا المواجهات المباشرة.

(٣)
الموقف الرسمي المصري الذي عبر عنه وزير الخارجية بنفي المشاركة المصرية في أي عمل بري داخل سوريا استبق أي محاولة سعودية للضغط على القاهرة في هذا الشأن.. والأقرب لتفسير مثل هذا الموقف هو القول بأن النظام المصري يرغب بالبقاء بعيدا عن التورط في صراع كهذا لاعتبارات تتعلق بموازناته الخاصة بأكثر مما تتعلق برفض مبدأ التدخل من الأساس، فذات النظام يعلم أنه سيضطر إلى الاضطلاع بدور مشابه في ليبيا قريبا لمواجهة نفس الخطر، تماما كما حدث قبل عام وأكثر وإن كان على نطاق ضيق وقتها.

القاهرة تعتبر روسيا حليفا إستراتيجيا لها يصعب بل يستحيل عليها التفكير بخسارته، وهي في الوقت ذاته ليست متحمسة للتواجد صراحة في حلف يستهدف (إيران) في منطقة نفوذه الرئيسية، مُفضلةً أن تُبقي على شعرة معاوية مع النظام الإيراني الذي بدوره يشجعها على الاستمرار في تجنبه. كما أن الوضع الداخلي المتأزم اقتصاديًّا وسياسيًّا يرجح عدم التواجد حتى ولو توافرت الإرادة السياسية.

تفهم هذه الظروف سيساعد الرياض على تجاوز نقاط الخلاف والعبور إلى صيغة تعاون واضحة تتشكل في كل قضية من القضايا المشتركة وفق إمكانيات وظروف أطراف الحلف الوشيك الذي سيجمعها بالقاهرة من ناحية وأنقرة من ناحية أخرى.

(٤)
ومن ناحية أخرى ينبغي علينا تفهم حقيقة الدور السعودي الذي يتصدى لخطر وجودي لا يستهدفه وحده قدر ما هو مستهدف لكل العرب.. فليس ثمة مجال للحديث بمصمصة شفاه عن (مغامرات) سعودية في اليمن وسوريا عند من يقرأ بأقل عناية ما حدث في المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية.. وما زال يحدث.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.