المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادر بكار Headshot

كلاهما ينقم عليك ؟... هنيئا ًلك!

تم النشر: تم التحديث:

مادة خلافنا موجودة لن تختفي؛ وفكرة النقاء العنصري التي تُلح على مخيلة الكثيرين بحيث يتمنون أن يصحوا في يوم فلا يجدوا في واقعهم إلا هؤلاء الذين يوافقونهم الرأي وأسلوب الحياة... هي مجرد أضغاث أحلام تدل على افتقار صاحبها إلى استيعاب دروس التاريخ... كما تدل على انسلاخه من فطرته ولوازم إنسانيته بالتأكيد!

مازال التاريخ شاهدا ًعلى كم هائلٍ من الشروط المُهينة حوتها معاهدة «فرساى» بعد خسارة ألمانيا الحرب العالمية الأولى.. شروط أراد من ورائها المنتصرون إمعانا ًفي إذلال الأمة الألمانية المهزومة؛ وقتها تنبه البعض إلى خطورة الاستخفاف بمشاعر المعسكر الخاسر إلى هذا الحد؛ عقلا ءُ شعروا بحرارة نارٍ تحت الرماد لن تلبث أن تستعر في يوم ٍمن الأيام... لكن من يقيم للتعقل وزناً الآن؟ هذا وقت نخب النصر... فلنتجرعه إذن حتى الثمالة وليذهب العقلاء إلى الجحيم!

سنوات معدودات وخرج «هتلر» أكبر متطرفي العصر الحديث من رحم تلك المبالغة في الإذلال والاحتقار والتشفي؛ ليقود موجة ًمضادة من الكراهية والعنصرية ويعيث في أوروبا فساداً لا تحركه إلا رغبة ٌمجنونة في الانتقام ويهرول وراءه ملايين الألمان مملوءة قلوبهم حقداً وغلاً على كل أجناس الأرض.

ما الفارق بين من كانوا بالأمس يرون مرسي إسلاماً يسير على الأرض وبين من يرون اليوم الوطن بأكمله قد اختصر في شخص السيسي؟ كلاهما لا يقبل منك إلا أن تقدس معبوده وتطوف معه في نفس الفلك، وإلا صرت عند الأول كافراً لا توبة لك وعند الثاني خائناً لا عهد لك.. والنتيجة لن تختلف كثيراً، الموت بلا رحمة هو الحل الأمثل للتعامل معك!

كلاهما لا يعتمد عليه في البناء، فعقولهم مصممة لتبرر الأخطاء وتفلسف أسبابها، هذا إن لم تستطع ابتداء أن تقنعك بأن الخطأ الواضح الصراح هو الصواب بعينه والعيب في رؤيتك أنت المصممة لترى القبح دون الجمال!

عقول لا تستطيع فهم الآراء والمواقف المركبة، فيصعب عليها بل يستحيل أن تفهم موافقتك لها في رأي ومعارضتك في رأي آخر، فإن سقطت في هذا التناقض من وجهة نظرها القاصرة صـــــــرت مميعــــــاً ممسكـــــــاً للعصـــــا مــــــن المنتصف!

عقول ترى في تعدد المشارب والمذاهب خطراً داهماً على مصلحتها لا ثراء وحيوية لمجتمعاتها، الحياة بالنسبة إليها لا تقبل القسمة على اثنين فضلاً عما هو أكثر من ذلك، رأيها صواب لا يحتمل الخطأ ولابد أن يكون رأي مخالفيها خطأ لا يحتمل صواباً!

لابد أن تبدأ مع هؤلاء بتبرئة نفسك من تهمة الكفر بالله أو التنكر للوطن.. أنت متهم على طول الخط حتى يثبت العكس، وقضاتهم في محاكم التفتيش لا يسمحون بمرافعة ولا يقبلون من المتهم صرفاً ولا عدلا حتى يعلن على الملأ تأييداً مطلقاً وبيعة على الطاعة العمياء!

كنت أقول إن كلمة التوافق محببة إلى النفس لاسيما وقد كثر استعمالها بعد الثورة تعبيراً عن الرغبة في الوصول إلى حلولٍ ترضي الجميع؛ وكنت متفهما ً في الوقت ذاته أن التوافق مع ذلك لن يلغى فكرة وجود الاختلاف وإنما يحاول فقط تنظيم التعامل مع هذا الاختلاف.. أمَّا الآن فإمَّا القبول بالرأي الواحد لا مبدل له أو فلتخرج من الحياة نفسها غير مأسوف ٍعليك.

«من اعترض.. انطرد» قاعدة شهيرة تؤطر طبيعة العلاقة بين الشيخ ومريديه أو تلامذته وفق النظرة الصوفية؛ وهي ـ كما ترى ـ قاعدة بليغة إلى حدٍ لا تحتاج معه إلى إسهابٍ في شرح معانيها.. قاعدة تتجاوز حتى فكرة تهميش الآراء وعدم اعتبار أهميتها إلى تجريم مجرد إبدائها لو انحرفت قيد أُنملة عمَّا يراه الشيخ.. وإلا فشر طردة تنتظر من يجسر على ذلك من المريدين !