المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نظير الكندوري Headshot

أحلام عظيمة لرجال عظماء

تم النشر: تم التحديث:

مرة أخرى يعود الجدل بين العراقيين كما ألِفوه سابقاً، فمنهم من يقول: لو يحكمنا نتنياهو ولا أن تحكمنا داعش، وهو بذلك يؤيد القوات الحكومية والبيشمركة في عملية تحريرها للموصل من داعش، ويأتي آخر ليقول: إن داعش على ظلمها ووحشيّتها هي أفضل من الذي يأتي ليساومك على عقيدتك، ويفرض عليك التشيع، أو الإذلال والقتل. ولم يعلموا أن الموصل ستخرج من احتلال داعش لتقع في احتلال جاحش.

هو نفسه الجدل الذي كان العراقيون منهمكين فيه إبان حكم صدام، فكان يقول أحدهم: لو تحكمني إسرائيل ولا يحكمني صدام، فجاءهم من هو أكثر ظلماً من صدام وإسرائيل ليحكمهم. وفي عقود سابقة قد خلت كان العرب ضمن الحكم العثماني وفي آخر عهده بلغت الدولة العثمانية من الضعف مبلغاً كبيراً جعل العرب يفضلون التعاون مع البريطاني ، على البقاء في شظف العيش في دولة المسلمين العثمانيين، فمزقهم المحتل إلى دويلات متناحرة.

وأهل السُّنة في العراق الذين رفضوا الاحتلال الأميركي وثاروا ضده، رأيناهم يستنجدون به بعد ذلك ليخلصهم من الحكومة الطائفية في بغداد وميليشياتها، وبعدما لم يجدوا مبتغاهم عند الأميركان، انقسموا على أنفسهم، فمنهم من يرجو الخلاص على يد داعش، ومنهم من يرى أن الذلَّ على أيدي حكومة بغداد الطائفية أفضل لهم من إجرام داعش.

فقدان الرؤية

كل هذه المشاعر التي تجيش في صدور العراقيين، لا سيما السنّة منهم، سببها انعدام الرؤية أو عدم وضوحها، فهم يتنقلون من يد ظالم إلى من هو أظلم منه، ولم يتصدَّ أحدهم ولحد الآن؛ ليفكر كيف يمكن أن يكون أمرهم بيدهم ويحملوا همهم بأنفسهم، بدلاً من أن يجلسوا في انتظار من يخلصهم مما هم فيه، والجميع يعلم أننا نعيش في زمن لا وجود للخدمات المجانية فيه، فإن أعطاك أحدهم شيئاً ما، فهو طامعً بشيء يريده منك.

سياسة القطيع

لم يبرز لنا من يقول: أين نحن في كل هذه المعادلة؟ لماذا لا يكون لنا أيضاً موقف نستطيع فيه أن نصارع تلك القوى لنختار لأنفسنا ما هو أفضل؟ لماذا نتصرف بسياسة القطيع، الذي ينظرون إلى ذابحيهم ويفكرون أيهم سوف يكون أكثر رأفة في ذبحه لهم؟ وينغمسون في نقاشاتهم بسرد أفضلية ذلك الذبّاح على هذا الذبّاح، وبالنتيجة فإن مصيرهم الذبح لا محالة، والأدهى من ذلك أنهم حتى في نقاشاتهم تلك ليس لهم حقٌّ في اختيار الذبّاح الذي سوف يقوم بذبحهم، إنما هي قرارات وتوافقات الذبّاحين هي التي تقرر من سيكون الذبّاح في المرحلة اللاحقة.

ولقد صدق قول الشاعر محمد إقبال فينا:

علموا الليثَ جفلةَ الظبي ** وامحوا قصصَ الأسد في الحديثِ القديمِ

همُّهم غبطة الرقيق برِقٍّ ** كلُّ تأويلهم خداع عليم

فقدان القيادة الراشدة

إنَّ حال العرب السنّة في العراق يشبه إلى حد كبير الحال الذي وصفناه أعلاه، فليس لهم قائد يقودهم إلى بر الأمان، بعد أن نفضوا أيديهم من كل السياسيين، الذين فشلوا فشلاً ذريعاً في الوصول بأهلهم للأمان، وأصبح السنّة كالهائجين بالبيداء يتخطفهم الطير في كل مكان، بعد أن تخلى عنهم كل من حولهم من عرب وأعاجم، وبدلاً من أن يفكروا في حلول لوضعهم المأساوي الذي هم فيه، ينهال بعضهم على بعض بالجلد وتحميل كل واحد منهم للآخر المسؤولية للحال الذي وصلوا إليه، ويلومون العرب والترك لأنهم لم يساعدوهم في التصدي للعدو الذي زرعته إيران في بلدهم، ولكن الذي يريد أن يساعدوا من عرب أو ترك، ألا يحتاجون لقيادة لديها رؤية واضحة وتعرف تماماً ماذا تريد ليتعاملوا معها؟ إن من يسمون أنفسهم سياسيين سنّة وصلوا إلى مرحلة لا يعرفون ماذا يريدون ولا يعرفون كيف يصلون إلى ما يريدون، وبالتالي فلا أحد يستطيع مساعدة السنّة إذا لم تكن لهم قيادة موحدة تعرف ماذا تريد ولديها مشروع واضح المعالم قابل للقياس.

التشتت في المشاريع

في البداية نادى السنّة برفض تشكيل الأقاليم واعتبروها تقسيماً للبلد الواحد، وبعدها تبنّى السنّة مشروع الأقاليم واعتبروه مشروعهم الأسمى للخلاص مما هم فيه، ثم تطور الأمر عند بعضهم ليطالب باعتبار محافظته إقليماً، وهناك من ينادي بإعلان الأنبار دولة مستقلة ويريد الاتحاد مع الأردن، تاركاً كل السنّة خلف ظهره متناسياً لهم، بل إن منهم من هو على استعداد للتضحية بأراضي سنّة ديالى والبصرة للشيعة، وأجزاء من صلاح الدين والموصل للأكراد، فقط ليلوذوا بأنفسهم من بطش أذناب فارس، قل مهما تنازلتم فإن مسلسل التنازلات سيستمر وطمعهم سيزيد، وما تجربة ياسر عرفات عنا ببعيدة.

أحلام عظيمة لرجالٍ عظماء

إن ما نحتاجه هو حلم كبير نربي أولادنا للبلوغ إليه، قد يقول الناس عنا إننا خياليون، ولكن جميع الحقائق العظيمة كانت يوماً ما حلماً خيالياً عند البعض، من حقنا أن نحلم بالعيش في بلد يأمن الناس فيه على أرواحهم ودينهم وكرامتهم ومتقدم اقتصادياً، ولديه من القوة التي تمنع طمع الطامعين فيه، نحن كمسلمين نعرف أفضل من غيرنا أن الأحلام العظيمة تصنع الرجال العظماء لتطبيقها، فحينما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضرب بالصخر في الخندق وكان يردد بكل ثقة "فتحت الشام وفتحت فارس"، ويقولها بكل ثقة بوعد ربه له، بقيت تلك الكلمات نصب أعين أصحابه للوصول لتحقيقها، مؤمنين بوعد ربهم لرسوله، لقد زرعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم في قلوبهم- فأعَدّوا العدّة للوصول إليها، وقد وصلوها بعددٍ قليلٍ من السنين، لم يرى رسول الله تلك الأحلام تتحقق في حياته، لكنها تحققت على أيدي من رباهم.

وهكذا يراد لنا، نحتاج إلى قادة يرتقون بنا بأحلامهم إلى الثريا، ويربون أهلنا ليتوقوا لتحقيق الأماني العالية، ولا يجب أن نهتم بكيفية تحقيقها؛ لأنها ستتحقق، فسبحانه وتعالى إذا رأى العزم منا ورأى النية الصادقة لتحقيق ما يريده الله منا، من إعمارٍ لهذه الأرض وتحكيمٍ لشرعه وإقامة لعدله بين عباده، فسيهيئ من يتولى رسم الخطط للوصول إلى ذلك، فشعبنا لا ينقصه المفكرون ولا المخططون الاستراتيجيون ولا ينقصه المقاتلون، إنما تنقصه الفكرة والهدف السامي الذي يجعل الناس تلتفَّ حولها، وينقصنا ذلك القائد الملهم الذي يأسر القلوب ويوحدها في طريقها إلى العزة والسؤدد.

فيردد أحدهم: لقد حقق أذناب إيران في العراق أحلامهم وهم رعاع، فأقول: أنت مخطئ، إنَّ لهؤلاء حلماً يريدون تحقيقه، ويقودهم قائد عظيم في الشر اسمه خامنئي، قد ألهم قلوبهم لتحقيق حلم الدولة الشيعية التي تسيطر على الشرق الأوسط كله، لكنهم سيستفيقون ويندمون حال ما يحقق خامنئي حلمه، فينظرون أن الحلم الذي أراقوا دماءهم من أجله لم يكن إلا حلم الدولة الفارسية الكبرى، وحينها لن ينفعهم ندمهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.