المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادر العبدالرحمن Headshot

لسان الصندوق

تم النشر: تم التحديث:

أخرج صندوق استفتاء الاتحاد الأوروبي في بريطانيا لسانه لديفيد كاميرون، رئيس الوزراء الذي لم يتصور أن وعداً انتخابياً سيقضي على بقاءه في 10 داوننج ستريت، وسبباً في إدخال بلاده دوامة من الأزمات غير منظورة النهاية.

جاءت رغبة البريطانيين مغادرة "الاتحاد الحلم"، على الرغم من كل الاستثناءات التي حظوا بها بعد عقود الحربين العالميتين وأثرهما الذي أخال القارة العجوز خراباً، انعكاساً جديداً لتململ العامة من ربطة عنق السياسي وبدلته الأنيقة وكلماته الرنانة.

ظهر الانعكاس الأول قبل أشهر، وذلك عندما نجح أعضاء حزب العمال في إيصال يسارهم الأقصى لسدة قيادة المعارضة البريطانية، بفوز جيرمي كوربن رغم حملة إعلامية ممنهجة ضده منذ اعلان ترشحه. ولم تمض أشهر قليلة حتى فاجأ سكان العاصمة العالم بتنصيبهم لأول مرة في التاريخ مسلماً لأبوين مهاجرين، عمدةً للندن المدينة الأكبر في أوروبا. تلك الحالة ذاتها هي التي أوصلت -مع فوارق في التشبيه- بيرني ساندرز ودونالد ترامب ضمن الثلاث الأكثر حظاً للفوز برئاسة الولايات المتحدة الأميركية في انتخابات 2016.

ورغم أن ضيق الناخب البريطاني ذرعاً بالسياسيين في بلاده كان واضحاً، بالنظر إلى ما ظلت تخرج به الصناديق من نتائج مؤخراً، إلا أن النخبة السياسية والاقتصادية البريطانية، لم تكن متأكدة من إمكانية مجازفة الناخب البريطاني بتجاهل كل التحذيرات التي أطلقها المعنيون، ليقفز في ظلام الخروج من الاتحاد الأوروبي.

لسان الصندوق تحدث كثيراً عن غلاة المواطنين في كل مجتمع، والذين يوعزون قصور خدمات حكوماتهم وتشوه اقتصاداتهم وعدم كفاءتهم إلى وجود المهاجرين والمغتربين، الذين زاحموهم -حسب زعمهم- في لقمة عيشهم، وسيطروا على ما هم أحق به من الفرص التجارية والتعليمية والوظيفية، الأمر الذي يدفعهم للتعبير عن سخطهم من ذلك الواقع، حتى يأخذوا بزمام بلدانهم إلى الهاوية.

وقد يُلتَمس العذر في الحالة البريطانية، حيث أسهمت العولمة الاقتصادية وحياد العلمانية الانجلوسكسونية وانضمام عدد من دول شرق أوروبا إلى الاتحاد الأوروبي، في تغير ديموغرافي أحدث تحولات كبرى داخل المجتمع البريطاني، بالإضافة إلى تغيرات ثقافية واقتصادية عدة، وهو ما أظهره استفتاء الاتحاد الأوروبي، من خلال الانقسام الذي اعتمد على الجغرافيا بالدرجة الأولى، إذ رغبت جهات محددة كلندن واسكتلندا بالبقاء بفوارق واضحة، فيما رغبت جهات أخرى كيوكشر والشمال الإنجليزي بالمغادرة وبفوارق واضحة أيضاً.

كانت تلك العوامل عنصراً مهماً في تعزيز الاعتقاد بخطر الأجانب على حياة البريطانيين، ما أدى لتفضيلهم فرض المزيد من القيود على الهجرة، والحصول على المزيد من الأموال مقابلها، دون حسابٍ دقيق لما قد يتسبب فيه ذلك من هزات سياسية واقتصادية، بل وتهديداً لوحدة المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على السواء، وهو ما بدأت ارهاصاته بالظهور تباعاً منذ الجمعة.

لسان الصندوق يتحدث أيضاً عن دور الديموقراطية، التي أكدت بدورها أن الانفصال قد يحدث بين كيانين في مكان ما من هذا العالم، دون الحاجة إلى الاقتتال أو الحروب أو تبادل العداء بين الفريقين، حيث من الممكن مقارنة هذه الحالة مع العديد من نماذج المنفصلين أو الراغبين في الانفصال في الماضي والحاضر، فبينما كان البريطانيون يعبرون في استفتاءهم عن سخطهم من البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، كانت منتخباتهم الثلاث ايرلندا الشمالية وويلز وانجلترا، لاتزال تلعب على البر الرئيسي للقارة مباريات يورو2016 في وئام وسلام.

وقد أفضت نتيجة استفتاء الاتحاد الأوروبي في بريطانيا إلى استقالة متوقعة لديفيد كاميرون من رئاسة الوزراء، ولحلول منتظر لعمدة لندن السابق بوريس جونسون في المنصب، وهو ما قد يؤدي في حالة فوز دونالد ترامب -المرحِب بنتيجة الاستفتاء- برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، إلى اتجاهات جديدة وشاملة في السياسة الدولية، كالتي جرت خلال ثنائيات تاتشر ريغان في الثمانينيات منهيةً الحرب الباردة، وبوش بلير في الألفية الجديدة مشعلةً الحرب على ما أسمياه الإرهاب، ومع ذلك فنتيجة الاستفتاء قد تثير شكاً حول الثنائية الثالثة بسبب انخفاض متوقع في ثقل بريطانيا على مستوى السياسة الدولية.

أما آخر وأبلغ ما قاله لسان الصندوق هو أن في الديموقراطيات عيب لا تعانيه الديكتاتوريات، وهو أن اهتزاز مصداقية السياسي قد يمثل تهديداً لمستقبل البلاد مع تململ العامة، وذلك على عكس الدكتاتور الذي يسعه أن يتنقل من كذبة إلى أخرى، ومن فشل إلى الذي يليه دون المرور بمقصلة الرأي العام كما في الديموقراطيات.

إن تجربة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي لسنوات، ومن ثم خروجها منه على هذا النحو، بالإضافة إلى مآلات هذا الخروج على بريطانيا والمنظمة، ستكون تحت نظر العالم، وبوجه خاص تحت نظر العديد من التكتلات السياسية والاقتصادية في العالم الحديث. فالاتحاد الأوروبي كان مضرب المثل في نجاحه واتساقه مع واقع السياسة الدولية بعد الحرب الباردة، ما عزز من حضور منظمات أخرى كالاتحاد الافريقي والآسيان ومجلس التعاون الخليجي، وغيرها من المنظمات ذات التوجه الاتحادي حول العالم، لكن استفتاء بريطانيا رفع من أسهم أعضاء تلك المنظمات المنادين بعدم المبالغة في سياسات الاندماج ما يفتح الباب على العديد من الاحتمالات مستقبلاً.