المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادر العبدالرحمن Headshot

رأيك.. قُله ولا تُعمِّمه

تم النشر: تم التحديث:

قبل نحو شهر من الآن، وضعت شبكة تلفزيونية تصويتاً إلكترونياً لقياس رأي متابعيها حول إحدى القضايا، ولما جاءت النتيجة معاكسةً لما توقعته وروجت له، عمدت لحذف الاستفتاء دون أن تعلن عن نتيجته؛ لتكون تلك الحادثة استدلالية على الانتشار الواسع لتعميمٍ مستمر للرأي الذي تتبناه قلّة.

لن تكون عزيزي القارئ إلا أحد اثنين، فإما أنك شخصٌ يعيش ضمن قطاعٍ جغرافيٍ يتيح حرية المعرفة وتدفق المعلومات، وإما تقطن في مكان يمنعها ويحظرها أو يضع في طريقها العراقيل والقيود.
فإن كنت في الأولى، فقولك بأن أي رأي لك يمثل وجهة نظر الأغلبية أو "كل الناس" حسب الدارج، ليس بحاجة إلا إلى توثيق بسيط يعضده، من قبيل نتائج دراسةٍ أو استفتاءٍ أو انتخاباتٍ أو ما يشبهها.
وأما إن كنت في الثانية -وفي الثانية يكثر الموهومون بتمثيل رأي الأغلبية- فالسبيل نحو تأكيدك القول بتمثيل رأيك وجهة نظر الجميع لا تزال شبه معدومةٍ؛ إذ لا تتوافر وسائلُ فعالةٌ في قياس الرأي العام أو الاسترشاد بتوجهات العقل الجمعي للعامة، ولذا فالأولى بمن يكون جزءاً من هكذا مجتمع، أن يقول رأيه ثم يمسك عليه قلمه أو لسانه عند تعميمه أو إضفاء هالة القداسة عليه.

وفي كلتا الحالتين، فإن الاعتقاد والقول بتعميم الرأي وتمثيله للجميع في حادثةٍ أو حالةٍ بعينها يفتقد للمنطق، ولا يعكس إلماماً بظروف الآخرين ومصالحهم عند القول برأيٍ معين، ولا يفرق في ذلك أن تكون وجهة نظر ذلك القائل مع أو ضد، متشددةً أو معتدلةً، أصوليةً أو حداثيةً، عميقةً أو سطحيةً.
ومع تنامي التفاعل اليومي مع الأحداث وسهولته أمام أكثر الناس، بات هذا التعميم في وجهة النظر متكررةً ومزعجة، وتكثر بوجه خاص عندما تأخذ الرأي المتبنَّى من قِبل الأقوى، دون تمحيصٍ واختبارٍ لتفاصيلِ ذلك الرأي ومدى وجاهته، أو اتساقه مع الواقع، فضلاً عن كونه معبراً عن أفضل الموجود مقارنةً بغيره على مستوى العالم أو لا.
ولم تستطِع شبكات التواصل الاجتماعي حل مشكلة التعميم تلك، على الرغم مما أنجزته من تقدم فيما يتعلق بالرأي العام في المجتمعات التي لا يلعب فيها الرأي العام دوراً على مستوى اتخاذ القرار عادةً.

ورغم الأهمية الكبرى التي ترقى في زمننا هذا إلى مستوى المسؤولية الشخصية والمُلحَّة في طرح وجهة النظر حول مجمل الأحداث والقضايا التي تهم المتلقي تفعيلاً لاندماج أصحاب المصلحة في ما يتعلق بحياتهم، فإن ذلك لا يزال يعاني اليوم من استمرار سطوة رأي القوي، بسلطته رأسياً أو شُهرته أفقياً.
ولا يراعي ذلك البعد المنتشر، أن أياً منهما قد لا يكون الأقدر على أو الأجدر بطرح وجهة النظر الوافية، أو أن ترفع صاحبها ليكون "قائد رأي"، وذلك بالنظر لسيولة وميوعة معايير الحصول على سُلطةٍ أعلى أو الوصول إلى شهرةٍ أوسع، بالمقارنة مع ما كانت عليه -بالمصادفة- قبل انتشار وسائل للتفاعل اليومي مع الأحداث بهذا الزخم.
ولذا، تكاد هذه الميوعة أو السيولة أن تلغي ترقية "المشهور" أو "صاحب المنصب" لقيادة الرأي، سواء في المجال الذي قدم نفسه فيه للناس أو في غيره من حيث المبدأ، وإن كانت تفعل ذلك من حيث الممارسة بحكم الانخراط المستمر في شبكات التواصل وانكباب الناس عليها.

والحقيقة أن المشكلة ليست في التعميم المنطوق المزعج، ولكنها في التعميم المُعتَقد الهادئ فكم تسبب في أخطاء كارثية جرَّت على أشخاصٍ ومجتمعات الكثير من سوء التقدير والتأخر في الإنجاز.

ومن أجل التغلب على تلك المشكلة، عمد كثير من المهتمين بالشأن العام في شبكات التواصل الاجتماعي لتقوية آرائهم بالاستفتاءات الإلكترونية على المواقع وحسابات التواصل الاجتماعي، غير مراعين لكون متابعيهم من نوعهم أو المهتمين بدورهم المجتمعي غالباً، وهو ما يخل مثلاً بعشوائية العينة، وبالتالي فساد النتيجة.
إن هناك حاجةً ماسَّة لكافة القطاعات لدراسة السوق من أجل رفع الأداء وتقديم خدمةٍ أكثر كفاءةً وأقل كلفة، ويبدو هذا صعباً جداً، ما لم تتوافر الأدوات المخصصة لقياس الرأي العام، ومعرفة اتجاهه بدلاً من الحالة السائدة من البناء على اليقين ومن ثم السجود للسهو.

لعب ذلك الاعتقاد غير الصائب دوراً في دفع الشبكة التلفزيونية لاستعجال الظن بالشيوع الكافي لوجهة نظرها حول القضية، ما جعلها تتسرع في وضع الاستفتاء، ومن ثم تسرع في حذفه مراعيةً -ولو متأخراً- أن هناك طيفاً واسعاً من الظروف والمصالح التي لم تعد تسمح ببقاء وجهة نظر واحدة أو تعميمها.
إن الخبر مقدس والرأي حر، يطرحه صاحبه وفقاً لتراكمات من الموروثات والظروف والمصالح، وهو ما يتجاهله تعميم وجهة نظر معينة على الجميع، مهما كان متبنيها محيطاً بها أو قادراً على إيصالها إلى الآخرين؛ لذا قُل رأيك، ولا تُعمِّمه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.