المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادر العبدالرحمن Headshot

في "الدولة العربية الأهم" لم ينجح أحد

تم النشر: تم التحديث:

معاناةُ مصر مع نفسها ومع محيطِها ليست بالشيءِ الجديدِ في عالمِ السياسةِ إقليمياً ودولياً، فالدولةُ التي تقعُ في قلبِ العالمِ العربي، ويقطنُها ربعُ سكانه، وظلَّت تحددُ طوالَ التاريخٍ مسارهُ ومصيره، باتت عاجزةً ومنكفئةً إلى أقلِّ مشاكلِها أهميةً وأكثرِ إنجازاتِها ضآلةً.

وليس الهدفُ من المقالِ تناولُ مشكلاتِ مصر، فأهلُها -وإن كانت مهمةً لغيرِهم كما لهم- أبلغُ في سردِها، لكنَّ تساؤلاً مهماً يطرقُ في الأذهانِ بعد عقودِ الحكمِ العسكري فالثورةُ ثم الثورةُ المضادة، حول مدى نجاعةِ التخلي عن مصر الحاليةِ أو دعمها.

نظرياً، مصر ما بعد الانقلابِ عبءٌ أخلاقيٌ وماليٌ مُكلفٌ على من يتصدَّر دعمها، ولا أظنُ أن نية الداعمِ كانت تسير في هذا الاتجاه عندما جرى التحولُ الكبير منتصف العام 2013، إذ ارتسمت في ذهنه إمكانيةُ استعادةِ صورةٍ ورديةٍ لمصر مبارك المثالية بالنسبةِ له. مصر التي يعاني اقتصادُها لكنه متماسك، تُهمَّش سيناءُها لكنها تحت السيطرة، يحكمُها عسكرُها ولكنَّهم على الثغور، يتراجع دورُها لكنّه موجود، يتظاهرُ شعبُها لكنه لا يثور، وتتعطّل تنميتها لكنها مستقرة. تلك هي مصر الحلم التي قرأتها أجهزةُ الاستخبارتِ، ومنّت بها الداعمين، حتى جاء الثالث من يوليو/تموز 2013 أو بعد ذلك بقليل.

إلَّا أنه وبالنظرِ إلى المعادلةِ التي أرساها الربيعُ العربيُ في المنطقة، والانفتاحُ الذي يزيدُ يوماً بعد يوم، فإن من الصعبِ تخيّلُ إمكانيةِ عودةِ مصر إلى حدودِ الرابعِ والعشرينَ من يناير/كانون الثاني 2011، مهما كان مستوى العملُ الذي يقوم به أياً يكون من الدول أو القوى الإقليميةِ والدوليةِ في سبيل ذلك.

لقد كتبت "النيويورك تايمز" في افتتاحيتها قبل أيام عن الحال الذي وصلت إليه مصر، مركّزةً القول على مصر الدور -وهو الدافعُ الأهمُّ لدعمها- ذكرت الصحيفة أنَّ ذلك الدور باتَ أقلَّ من هامشيٍ، لصالحِ دول أكثرَ ديناميكيةً وحضوراً، لكنَّ رغبة الدول الأكثر ديناميكيةً في الحفاظِ على مصر من الانزلاقِ في أتونِ أيّ نوعٍ من الفوضى، والتغاضي عن الحَوَل الذي أصاب رؤية القاهرة سياسياً واقتصادياً، ما زال يستنزفُ الكثيرَ من الطاقةِ الكامنةِ لتلك الدول، وهو ما باتَ يشكِّل رأياً عاماً متصاعداً ويقظاً لعدم جدوى هذا الدعم ما دامَ يأخذُ طريقهُ إلى مَن عَجِزَ عن إحرازِ تقدّمٍ في كل الملفات، فالديناميكيون -مهما أظهروا من المثالية- يريدونَ بهذا الدعم إبقاءَ مصر في صفّهم مِن أجل كسبها في تحدياتِ المنطقةِ المعقدة، حيثُ الجمودُ في القضيةِ الفلسطينية، والحروبُ في اليمنِ وسوريا والعراق، والانتهاكُ الصارخ لسيادة ليبيا.

في مقابلِ ذلك، أخذت بعضُ الدولِ طريقاً معاكساً رَفَضَ تكبّد العبءِ المصري فيما بعد الإنقلاب العسكري، وهي رغمَ تنازلها بذلك عن تأثيرها في "الدولة العربية الأهم"، ورغمَ أنّها ظلّت في مرمى سهامِ الإعلامٍ المصري، إلا أنّها في الوقت نفسه أزاحت عن سجلّها السياسي، أي التزامٍ تجاه تصرفاتِ الحكومةِ المصريةِ في تلك الفترةِ القمعيةِ والدموية، ما وفّر في خزائنِها الكثيرَ من الأموالِ التي كان من الممكنِ أن تذهبَ من مصارفها إلى القاهرةِ في رحلاتِ المسارِ الواحد.

إنَّ من الصعبِ والصعبِ جداً في الحالةِ الحاليةِ التي تمر بها مصر أن ينجحَ أحدٌ من الخارج في تحقيقِ ما يُريدُه تماماً، إلَّا مَن كانت له أهدافٌ تخريبيةٌ صِرفة كالصهاينةِ الذين يناصبون المصريين عداءً لا ينتهي، فتمزيقُ النسيجٍ المجتمعي، وانشغالُ العسكرِ بالعمل المدني، مع خروجِ سيناء من السيطرة، والانخفاضُ في منسوب مياه النيلِ تخدُم الصهاينة كثيراً في تحقيقِ الأهدافِ وما وراءَها.

وبالمقابل فما تطرحُهُ الحكومةُ المصريةُ من حلول يسهم في خلقِ مشكلاتٍ أكثرَ تعقيداً، فالتلويحُ بورقةِ "الإرهاب" بهدف استجداءِ الدعمِ والاعترافِ الخارجيِّ -على سيبل المثال-، هوى بالسياحةِ وأقلقَ المستثمرين وفاقَمَ الأزمةَ الاقتصادية.

وإن كانَ مَن تخلّوا عن مصر ما بعد الانقلاب، قد رسبوا في الحفاظِ على دورٍ لهم في "الدولة العربية الأهم"، فإنَّ الذين وثّقوا ارتباطهم بها لم ينجحوا أيضاً في هدفهم في بعثِ مصر مبارك من جديد، وتكبَّدوا الكثيرَ من الأموال، إذ إن دعمَ نظامٍ شموليٍّ -على كُلفته- كما كان جارياً في عصرِ مبارك المثالي، أسهلُ بكثير من رعايةِ انقلابٍ عسكري، فالأخيرُ أمرٌ لا تقومُ به حتى الدولُ العظمى، لأنه يستدعي جهداً دبلوماسياً حثيثاً، وضخّاً للكثيرِ من الأموالِ في الجيوبِ أكثر من ضخّها في الشرايين الاقتصادية للدولة. ويزدادُ الأمرُ تعقيداً إذا توفرت قاعدةٌ شعبيةٌ معارِضةٌ وخشنة للحكومةِ تستدعي القسوة في التعاملِ معها.

وفي المحصلة، فإنَّ دعمَ الحكومةِ المصريةِ دون ضمانٍ حقيقي لتحسُّنٍ بالحدودِ الدنيا على الأقل في الاقتصادِ المصري والأداءِ السياسي المعزِّز لدورِ مصر الإقليمي -وهو ما لم يحدث إلى الآن- لن يغيرَ في واقعِ الأمورِ شيئاً، وسيكونُ عبئاً على من يقومُ به، أما الابتعادُ عن ذلك حالياً، فكفيلٌ بتحويل ديناميكة الدول لمناطقَ أكثرَ فاعليةً وأكثرَ جدوى.

وأخيراً، يدركُ المراقبُ للوضعِ الإقليمي أنّ التخلي التام عن مصر وتركها لأقدارِها ليسَ أمراً عقلانياً أو ممكناً مِن الجميع، وخاصةً ممًّن يضطلعون بمحوريةِ دورهم الإقليمي في هذه المرحلةِ الحساسةِ من تاريخِ المنطقة، لكن التعاملَ مع الشأن السياسي المصري بات أكثر حاجةً إلى تفعيلِ البدائلِ والحلولِ الذكية، التي لا تجدُ في التراجعِ عن الأخطاءِ وتصحيحِها، وفتحِ قنواتٍ أكثرَ وصولاً لمن بإمكانهم حلحلةُ الأمورِ هُناك، تثريباً أو خجلاً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.