المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نادر العبدالرحمن Headshot

انقلاب تركيا.. هل مازال الموقف الرسمي للدول محورياً؟

تم النشر: تم التحديث:

شهدت ليلة الانقلاب على الشعب التركي ليلة السبت الماضي العديد المواطن التي استحقت الوقوف عندها والتأمل في تفاصيلها في مئات المواد الصحافية والتقارير التلفزيونية، وخاصةً أنها الوحيدة الفاشلة بين ثلاث محاولات انقلابية على الديموقراطية جرت مؤخراً في الشرق الأوسط، وهذه المرة في تركيا حيث أكثر ديموقراطيات المنطقة رسوخاً وأكثر جيوشها قوةً. ومن بين المواطن التي تستلزم الوقوف عندها ردود فعل العواصم المختلفة تجاه المحاولة الانقلابية الفاشلة.

جاءت مواقف الدول في الغالب متأخرةً مترقبةً لما ستؤولُ إليه الأمور، وذلك قبل إبداءِ أي تفاعلٍ رسمي ثابتٍ ومستمر، فالدول لا تبني مواقفها من الانقلابات بشكلٍ متسرعٍ ومبكر، إلا إذا كانت مستيقنةً من نجاحها أو ضالعةً في الإعداد لها، ولأن هذا التعجل لم يحدث بالكليّة في تجربة تركيا، فإنني شخصياً لم اتيقن من فشل الانقلابِ ونجاحِ الشعب التركي في الدفاع عن إرادته، إلا بعد أن تم الإعلانُ عن أول موقفِ إدانةٍ من الخارج.

لكن ومع ردودِ الفعلِ الشعبية الفوريةِ على تفاصيل ليلة الانقلاب في شبكات التواصل الاجتماعي، والزخم الكبير من الاحتفاءِ الشعبي بفشلِ الانقلاب في العديد من البلدان التي تجتمعُ وتركيا في أواصرِ الثقافةِ والحضارةِ، يجدر أن نتساءلَ عن مدى أهميةِ المواقف الرسمية للدول والعواملِ الضاغطة عليها في العلاقات الدوليةِ الحديثةِ.

ومع تصاعدِ مفهوم الدبلوماسيةِ العامة والتي تعنى بالقوةِ الذكية التي تديرُ سمعة الدول وحكوماتها بين شعوب دولٍ أخرى تهمُها، نجحت العديد من دول العالم وخاصةً أميركا وعدد من الدول الأوروبية في إدارةِ سمعتها على نحوٍ يجذب إلى صالحها العديد من سكان البلدان الأخرى، وهو ما بات عاملاً رئيسياً مع مرورِ الزمن في تعاطفِ أولئك السكان أو تليينِ مواقفهم ليس فقط مع شعوبِ الدول التي تتبنى الدبلوماسيةَ العامة فحسب، بل حتى مع قرارات حكوماتها.

وكلما تصاعدت كفاءةُ وبالتالي أهميةُ آثارِ الدبلوماسية العامة بين الدول، كلما أصبح الموقف الرسمي أقلَّ أهمية، وكلما كانت الدولة صاحبة الدبلوماسية العامة الأقوى أكثر قدرةً على جعلِ تبعات المواقف الرسمية ضدها أو معها أقل تأثيراً أو في خانةِ تحصيلِ الحاصل.

ومن الملاحظ إقليمياً، أن تجربةَ العدالة والتنمية في حكمِ تركيا طوال الـ15عاماً الماضية، وتبنيها سياسةً أكثرَ انفتاحاً على المشرق والعالم الاسلامي كعمقٍ استراتيجيٍّ جديد لأنقرة، بالإضافة إلى الموقف التركي من القضايا العربية والإسلامية، قد أدت دوراً كبيراً في تحسينِ صورةِ تركيا في الذهنية العربية، ليس فقط تجاهَ الشعب التركي أو مواقفِ الدولةِ التركية، بل حتى مع حزبِ العدالة والتنمية الحاكم وأردوغان نفسه.

هذه الدبلوماسيةُ العامةُ الناجحة، هي ما أسهمَ بشكل فعَّال في شيوعٍ حالةٍ من الرفض والغضب شهدته وسائلُ التواصل الاجتماعي تجاه المحاولةِ الانقلابيةِ الفاشلة ليلة السبت الماضي، حدث ذلك بشكلٍ فوريٍّ وسريعٍ ومجاني، لم تضطر أنقرة لتحقيقهِ أن تتكبدَ المليارات لشركاتِ الاستشاراتِ الاعلاميةِ والعلاقاتِ العامةِ لإدارةِ سمعتها وتبييضِ سجلِّها بين العرب.

ولم يكن العاملُ الأيديولوجيُ أو تسويق تركيا الجيِّد لسياستها في المنطقة الوحيد الذي وسَّع من القاعدةِ الرافضةِ للمحاولةِ الانقلابية، حيث أعتقدُ أن الشجبَ العارمُ بين العربِ كان بالنسبة للبعض بسببِ العرفان لمواقفِ الحكومةِ التركية وسياستها التي نجحت في استعادةِ تركيا شيئاً من هويتها الإسلاميةِ بعد تغييبها القسري لعقود، وللبعض الآخر بسببِ الخوفِ من المزيد من عدم الاستقرارِ في المنطقة، وبالنسبةِ لفريقٍ آخر بسبب الخشيةِ من وصول تركيا لنفسِ ما آلت إليه الأمورُ في مصر مع غيابِ الديموقراطيةِ وسيطرةِ العسكرِ على الحكم.

وقد ضجَّت على إثرِ ذلك وسائلُ التواصل الاجتماعي بأشدِ عباراتِ الاستنكارِ والإدانةِ للانقلاب والتواصي بالدعاءِ لإفشاله، قام بها على تويتر وفيسبوك وسناب شات وواتساب أناسٌ فرَّقتهم الاهتماماتُ والأعمار والبلدان، وجمعتهم الرغبةُ بأن تمرَّ تلك الليلةُ بسلامٍ على تركيا.

ورسمياً، فالدولُ تماهت مع اتجاهاتِ شعوبِها في رفضِ الانقلابِ ولو متأخراً مع استخدامِ عباراتٍ أقلَّ حدةً بكثير، أما أشباه الدول -كما يسمِّيها قادتُها- فلم تتماشى مع مواقفِ شعوبِها من المحاولةِ الفاشلة، فأظهرت المزيدَ من سوءةِ حبِّها للانقلابات وتعاطفها مع الانقلابيين.

والحقيقة، أن أحداثَ المحاولةِ الانقلابيةِ الفاشلةِ نفسها، لعبت دوراً في تأكيد نجاح الدبلوماسة العامة في الترويج للثقافة التركية بشكلٍ أعمق، وذلك من خلال عكسِ صورةٍ للعقلية التركية المتطورةِ ديموقراطياً ودستورياً، وللإرادةِ التركيةِ الأبيةِ التي لا تقبلُ الضيم، ولا ترقصُ للظلم أو تطبلُ له، بما في ذلك المعارضةُ القوميةُ واليساريةُ التي رفعت لواء الديموقراطيةِ فوقَ المكاسبِ الآنيةِ والشكليةِ المتمثلةِ في ازاحةِ الأغلبيةِ الحاكمةِ.

لقد نجحت حكومةُ العدالة والتنمية في جعلِ نموذجها في الحكمِ ومواقِفها الإقليميةِ في صلبِ اهتمامِ المواطن العربي سواءً المهتمِ بالسياسةِ أو ذلك البعيدِ عنها، فالوعيُ بأهميةِ دورِ تركيا وفعالية التحالفِ معها آخذ بالاتساعِ شيئاً فشيئاً منذ سنوات، وربما تلعبُ المحاولةُ الانقلابية الفاشلةُ دوراً محفزاً في انتشارِ هذا الوعيُ بشكلٍ أكبر مستقبلاً، ما قد يقوِّضُ من أهميةِ المواقفِ الرسميةِ للدول تجاه تحركاتِ الحكومةِ التركيةِ بقيادةِ أردوغان في قادمِ الأيام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.