المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ندى حامد رضوان Headshot

اختراعي الأول: دواء يعمل بالنية!

تم النشر: تم التحديث:

بعمر السابعة، اخترعت أوّل -وربما آخِر- دواء يعمل بالنيّة، إن وضعته على حرق يُشفى، على ألم يزول.. إلخ، كان مكوّناً -باختصار- من بقايا قطع لحم من غذاء ونقطتين من الليمون وبضع قطرات ماء وملعقة عسل، وتركته يتخمّر ليومين، لكن أمي رَمته -بالخطأ طبعاً- فلم أتأكد من صلاحيته للاستخدام.

لكن أبي أخبرني أن لي مستقبلاً باهراً بصناعة الأدوية، لكن فقط عليَّ أن أتوقف عن استخدام الطعام في اختراعاتي؛ لكي لا تصدر أمي قراراً بغلق معملي الصغير.

بعمر الثامنة، أهداني أبي كرة أرضية أزيّن بها مكتبي الصغير، وعلّمني تلك اللعبة، أن أجعلها تدور وأغمض عيني وأشير بإصبعي على أية دولة بها، وأسرح بخيالي أني سافرت لهذا البلد أو تلك، فكنت دوماً أكتشف أني -قدراً- دوماً أشير لإيران، وعندما أخبرت أبي قال لي إننا غير مُرحب بنا هناك، فسألته "مَن نحن؟".. فكانت تلك أول مرة أعرف فيها أنّي "سُنّية".

بعمر التاسعة، سمح لي أبي بأن أقرأ موسوعة الباب المفتوح الموجودة بمكتبتنا، مع وعد أن أعيدها فور انتهائي من كل مجلد، فصرت أقرأ المجلد الواحد عشرات المرّات، ما عدا مجلد العلوم الذي لم أحبه يوماً، لكني حينها عرفت أن هناك أشياء أخرى ممتعة للغاية يمكنني تعلمها بعيداً عن "أهم محصولات محافظة الدقهلية".

بعمر العاشرة، أهداني أبي عدسة مكبّرة مزوّدة بكشّاف يضيء متى أردت ذلك، فكنت أجلس ساعات أتفحص بصمة يدي، أو أبحث عن عوالم أخرى تعيش في أنسجة سجادة غرفة المعيشة..
لم أجد تلك العوالم، لكني اكتشفت ولعي بالتفاصيل، دونما أي اكتراث بالصورة كاملة.

بعمر الحادية عشرة، سمح لي أبي أن أعلّق ورقة تدعو لمقاطعة البضائع الإسرائيلية بغرفتي، ولم ينهرني عندما بكيت استشهاد الشيخ أحمد ياسين بحرقة، لكن فعلت أمي مخافة أن تتأثر صحتي النفسيّة.

في الرابعة والعشرين، لعنتُ الأدوية والكرة الأرضيّة والتفاصيل والاحتلال، واكتشفت أنّي لا أحب إلا أبي، الذي -رغم ظلمه إياي بفعلته هذه- جعلني أبصر العالم من زاوية مختلفة وأنا ما زلت طفلة، جعلني أدرك أن الدنيا والدراسة التقليدية هي زيادة عليّ، وأن ديني وثقافتي الذاتية هما ذاتي، علّمني أن أعرف الكاذب من عينيه ونبرة صوته، لكنه قط لم يعلمني كيف أجرؤ على أن أواجهه بكذبه.

أبي الذي قال لي يوماً: "لا تخافي الاختلاف، ما دمتِ لن تتأثري بانتقادات الآخرين"، لم أخبره أنه ربّى فتاة تخشى كل يوم الاختلاط بالآخرين، ممن يرونها غريبة الأطوار.. فقط لأنها تنغمس في قضية كالقضية الفلسطينية أو تتابع بشغف أخبار تلك الحرب أو هذه، لم أخبره أن فقاعتي قد كبرت معي.. لا أخرج منها ولا أسمح لأي مَن كان أن يدخلها.. ولم تعد أمي تنظفها فحجب ذاك اللّبلاب البغيض الرؤية، لكنني أحببت ذلك للغاية فلم أعد أضطر أن أضحك في وجه تلك التي تضع مساحيق تجميل رخيصة وتتشدّق بأفكار ما أنزل الله بها من سلطان بأن غزة ما هي إلا مجموعة من الخونة المرتزقة.

لا أعرف إن كنت سأربّي أبنائي كما فعل أبي أم لا، كل ما أعرفه أنّي أخاف عليهم من هذه البلاد كثيراً ومن الاختلاف ومن الطموح،ومن تلك الفقّاعة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.