المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ندى أمين Headshot

جدلية التعددية السياسية والتعددية الإعلامية

تم النشر: تم التحديث:

حالة التوتر الدائمة بين الحكومة السودانية والإعلام، التي تزداد حدتها بين الفينة والأخرى، ما هي إلا انعكاس طبيعي لعلاقة الصراع التاريخية وأمواج الشد والجذب المستمرة بين السلطة والصحافة، في ظل غياب الأنظمة الديمقراطية.

التصريحات التي صدرت مؤخراً من عدد من المسؤولين ومن داخل قبة البرلمان ووصفت الصحافة السودانية بأنها "أخطر من الحركات المسلحة" وتوعدت بمزيد من القوانين الصارمة لكبح جماح الإعلام لا تدعو للتفاؤل بشأن مستقبل الصحافة في السودان، لا سيما أنها صدرت من أعلى سلطة تشريعية بالبلاد.

وحتى في الماضي القريب، أدت الضجة الإعلامية الهائلة التي وجدت صدى كبيراً في الشارع السوداني بعد التصريحات المنسوبة للسيد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، بدر الدين محمود، والتي أفصحت عن اتجاه الحكومة لرفع الدعم عن المحروقات مع بدايات هذا العام، إلى صدور تصريح من السيد رئيس الجمهورية عمر البشير "بأنه سوف يتولى أمر الإعلام بنفسه"، في إشارة منه إلى عدم رضاه عن التغطية الصحفية التي أعقبت تصريحات الوزير.

السياسة والإعلام: جدلية البيضة والدجاجة

وحقيقة يتعذر الحديث عن الوضع الإعلامي في السودان بمعزل عن السياق الكلي للبلد. فهل يمكن للإعلام أن يقوم بدوره المنوط به كسلطة رابعة في ظل وجود مناخ سياسي غير حر وغير تعددي؟ بل هل يمكن للإعلام أن يذهب أبعد من ذلك ويسهم في إحداث التحول الديمقراطي المنشود؟ وإجابة هذا السؤال تقودنا إلى ما يشبه جدلية البيضة والدجاجة، من حيث إنه:
هل يمكن لوسائل الإعلام القائمة في الأنظمة الشمولية أن تسهم مساهمة فاعلة في إحداث الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي أم أن الممارسة الديمقراطية والأنظمة الحرة هي التي تؤدي إلى تفعيل الدور الإعلامي وإثارة حيويته؟

وفي حين يراهن البعض على إمكانية قيام الإعلام بدور ثوري رائد، إلا أن قراءة سريعة لتجارب الشعوب تثبت لنا غلبة القول السائد بأن الممارسة الديمقراطية هي المالكة لزمام المبادرة، بمعنى أن الفعل السياسي هو الذي يؤثر على الفعل الإعلامي وليس العكس.

والشاهد أن النظم السلطوية تتعامل مع وسائل الإعلام بطريقة واحدة لا تختلف فيها دولة عن أخرى؛ لذلك بالضرورة فإن إعلام كل دولة يعبر عن فكر وفلسفة النظام السياسي القائم والأيديولوجية السائدة فيه.

ولا ريب أنه منذ مجيء الحزب الحاكم إلى السلطة عمل على فرض أيديولوجيته وأطروحاته وشعاراته وتعميمها على المشهد الإعلامي بصورة استبدادية منظمة. فالنظام السياسي للدولة أثّر على الخطاب الإعلامي ولم يتأثر به ولم يستجِب للدعوات الإعلامية المتكررة لإتاحة مساحة معقولة من الحرية حتى تتمكن من القيام بدورها كسلطة رابعة فعلاً وليس قولاً.

فالخطاب الإعلامي للحزب الحاكم يعتمد مثل غيره من حركات الإسلام السياسي على تبنّي شعارات عامة قريبة من وجدان وثقافة أي مسلم مثل: المجتمع الإسلامى، والدولة الإسلامية، كما أنه عند مجيئه إلى السلطة غازل أشواق السودانيين بدولة مدنية وحضارية يتحقق فيها الرخاء ومبادئ العدالة الاجتماعية، والاعتماد على الموارد الذاتية للسودان وتنميتها.

وعملاً منها على سيادة الخطاب الإعلامي للحزب الواحد، وفي ظل عدم وجود تعددية حزبية في أسس الحكم عملت النخبة الحاكمة على تعزيز هذا الخطاب، وتدجين الأجهزة الإعلامية إلى حد كبير، وذلك من خلال التحكم في تدفق المعلومات للجمهور باستخدام العديد من أساليب السيطرة والقوانين القمعية والرقابة القبلية على الصحف والمصادرة بعد الطبع وتعليق الصدور.

كما تصدر في كثير من الأحيان توجيهات لوسائل الإعلام بحظر نشر بعض القضايا وإن كانت لا تمس المصلحة العامة، أو تتعلق بدواعٍ أمنية.

هذا بالإضافة إلى الانتقائية في توزيع الإعلانات الحكومية واستخدامها كوسيلة عقابية لبعض الوسائل الإعلامية، على الأخص الصحف، في حال عدم خضوعها لشروط النشر والكتابة.

ولكن مع ذلك استطاعت بعض الصحف المهنية التكيف مع الظروف والتحايل لإبراز قضايا معينة شغلت الرأي العام، وأثارت انتباهه رغماً عن القيود، ولكن في المقابل تعرضت وتتعرض للملاحقات القضائية والإجراءات العقابية.

على سبيل المثال، تم تعليق صحيفة التيار التي تصنف على أنها من أهم الصحف المصادمة في السودان لمرتين، امتدت المرة الأولى لسنتين، والمرة الثانية لأشهر، وقد تمكنت الصحيفة في المرتين من معاودة الصدور بحكم من المحكمة الدستورية.

أزمة ثقة

عموماً يمكن القول: إن ثقة الجمهور في وسائل الإعلام تفوق عادة ثقته في الحكومات، وتزداد هذه الثقة في الأنظمة غير الديمقراطية.

ويميل الجمهور عادة إلى تصديق ما يُنشر من أخبار ويصعب إقناعه، بعد ذلك، بعدم صحتها حتى ولو نفتها السلطة، على الأخص فيما يتعلق بقضايا الفساد وقصور الأداء الحكومي.

وربما يحذر الكثيرون من ردة فعل الرأي العام لقضايا يتم نشرها عبر الوسائل الإعلامية، والتي يمكن أن تؤدي إلى تغيير خطط وسياسات كاملة.

وخير دليل على ما أقول هو ما تشهده الساحة الدولية الآن من تأثير مطرد لوسائل الإعلام في عملية صنع القرار السياسي وإدارة الصراعات وتوجيه مسارات السياسة الداخلية والخارجية للدول.

لذلك فهنالك دائماً درجة عالية من الحساسية لدى المسؤولين تجاه ما ينشر عنهم في الأجهزة الإعلامية، وعن تورطهم في قضايا فساد أو قصور أدائهم في القيام بواجباتهم تجاه مواطنيهم.

فالمسؤولون يخافون على صورتهم في الرأي العام، ولذلك يتعاملون في كثير من الأحيان مع الوسائل الإعلامية بالكثير من الحذر والشك في النوايا، وحجب المعلومات وتجنب الإدلاء بالتصريحات أو إعطاء تصريحات كاذبة ومضللة.

ويميل الكثير من المسؤولين إلى الحرص على الظهور الإيجابي في الأجهزة الإعلامية، والتعامل معها كأداة للدعاية واستغلالها للترويج لأنفسهم وتسويق إنجازاتهم، ولو كانت مضخمة أو غير حقيقية، بغرض تحقيق هدف واحد هو الحصول على قبول الجماهير ورضاها.

وحقيقة فإن للإعلام سطوة ومقدرة هائلة على تشكيل الرأي العام سلباً أو إيجاباً فيما يختص بالشخصيات العامة وأذكر هنا كيف اضطر الوزيران السابقان علي محمود وزير المالية والاقتصاد الوطني، وعبد الحليم المتعافي وزير الزراعة، إلى استجداء الإعلام وتقديم دعوة صريحة له "بتركهما في حالهما" وترديدهما الدائم بأنهما مستهدفان من الإعلام، وذلك بعد أن تصدرت أخبارهما الخاصة والعامة صفحات الصحف وعناوينها الرئيسية، بدعوى أن الإعلام يتقصدهما بشكل شخصي، ويعمل على تشويه صورتيهما أمام العامة.

لا سياسة بدون تواصل

وأستطيع أن أُعزي حالة الشد والجذب الدائمة بين الكثير من مسؤولينا وإعلاميينا إلى عدم وعي المسؤولين أنفسهم بأهمية الدور الإعلامي ليس فقط للمواطنين، ولكن لهم هم أيضاً. فعجز الكثير من المسؤولين عن فهم علاقة المنفعة المتبادلة بينهم وبين الإعلاميين يجعلهم واهمين بأنهم في موقف القوي، وأن الإعلام هو الذي يحتاجهم بينما هم لا يحتاجونه.

وهذا بالضرورة فهم مغلوط وقاصر، بمعنى أن المسؤول يظل معزولاً والخطاب السياسي يبقى محصوراً ما لم يتم اللجوء إلى الوسائل الإعلامية المختلفة لنقله إلى الجماهير، ويشمل ذلك القرارات الهامة والسياسات العامة للدولة، وكل ما يختص بإدارة الدولة والشأن العام.

ولا تنحصر هذه العلاقة فقط على نشر والحصول على قرارات المسؤولين وتصريحاتهم، ولكن تتعداها لتشمل أيضاً معرفة آراء المواطنين وردود فعلهم على ما يتخذه المسؤولون من قرارات وسياسات، وما يقدم لهم من خدمات؛ بل إنه وفي أحيان كثيرة لا يسمع المسؤولون عما يعانيه المواطنون من ظلم أو هضم للحقوق أو سوء في الخدمات إلا من خلال الأجهزة الإعلامية بحكم أنها صوت الشعب وسلطته الرابعة.

ولا نستطيع أن ننكر أنه في بعض الأحيان أدت التغطية الإعلامية لقضية ما إلى تحرّك الجهات المسؤولة لإيجاد حلول لها أو تحرك الجهات القضائية في بعض مما أثير من قضايا الفساد، منها على سبيل المثال قضية شركة الأقطان السودانية.

وخلاصة القول إنه ليس هنالك سياسة بدون تواصل، ولا تواصل بدون أجهزة إعلامية قادرة ومتمكنة؛ لذلك تعتبر حرية التعبير أمراً إيجابياً ليس فقط للإعلام، ولكن للسلطة والشعب أيضاً، وصدق جوزيف غوبليز وزير الإعلام النازي زمن هتلر، حين قال يوماً: "أعطِني إعلاماً بلا ضمير أعطِك شعباً بلا وعي".

وبالمقابل يجب على الإعلام أن يكون حراً ومسؤولاً في ذات الوقت، فالحرية الإعلامية لا تعني الفوضى وإثارة الكراهية والفتن وإشانة السمعة، والتعدي على خصوصيات الغير، وغيرها من ممارسات لا تخدم القضية الإعلامية ولا المواطن نفسه.

ولكن لا يمكن للإعلام أن يكون حراً ونزيهاً في ظل وجود مناخ غير صديق.

لذلك لا بد من إنشاء جهة ذات صلاحيات محددة يناط بها أمر رصد ومتابعة أداء الإعلام، وتنفيذ الضوابط الصادرة بموجب قوانين الصحافة.

وعلى الرغم من أن المجلس القومي للصحافة والمطبوعات يقوم بدور مشابه، فإن صلاحياته يتم تجاوزها في كثير من الأحيان لصالح الجهات الأمنية النافذة.

وحسناً فعل وزير الإعلام أحمد بلال، بإعلانه مؤخراً عن عزم الدولة إنشاء محكمة خاصة لقضايا الصحافة والنشر، مما يؤمل منه أن يؤدي إلى إلغاء المسؤولية الجنائية التي تتعامل مع الصحفيين بوصفهم مجرمين وليسوا صحفيين وذوي مهنة ورسالة تقتضي منهم أن يؤدوها بمصداقية واستقلالية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.