المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نبيل عمر ينسي Headshot

الإيمان يتحدى

تم النشر: تم التحديث:

من أكثر النظريات التي أتت بها الأديان السماوية توكيداً، كانت نظرية خلق الله للكون وإخراجه من العدم، وأن للكون بدايةً ونهايةً قدّرها له الرحمن، حيث نجد آيات كثيرة تتحدث عن خلق الكون في القرآن، والعهد الجديد والقديم، ففي القرآن: ﴿والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48)﴾ [سورة الذاريات]. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَة أَيَامٍ وَمَا مَسَنَا مِن لُغُوبٍ (38) ﴾ [سورة ق].

وفي العهد الجديد: "في البدء، خلق الله السموات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرفّ على وجه المياه، وقال الله: ليكن نور فكان نور" (الإنجيل قصة الخلق). ويخاطب داود عليه سلام الله قائلاً: "مِنْ قِدَمٍ، أَسَسْتَ الأَرْضَ، وَالسَمَاوَاتُ هِي عَمَلُ يَدَيْكَ" (سفر المزامير: 102).

أما في الحضارة اليونانية تقريباً، فكل الفلاسفة كانوا مجمعين على القول بأزلية الكون؛ منهم ديمقريطوس، وأبيقور، وأرسطو وآخرون كثر. وكذلك في الحضارة الأوروبية، كل العلماء والفلاسفة تقريباً يقولون بأزليته إلا قلة قليلة من فلاسفة الكنيسة كـ"توما الإكويني" مثلاً. وفي الحضارة الإسلامية، كثير من الفلاسفة قالوا بأزليته كالفاربي وابن سينا، وابن رشد متابعاً لأرسطو.

فهل ظل الوضع على ما هو عليه؟ وما كان قول العلم النهائي في هذه القضية الخاطرة على الإيمان وعلى عقيدة الإلحاد على حد سواء؟ دائماً ما كان أنصار الإلحاد يبررون عقيدتهم باسم العلم وهم مرتاحون من ناحيته، فكل ما يأتي به العلم فهو يُنقص من عقيدة الإله ليضيف لهم، كما قالوا.

ولكن في سنة 1929، جاء الخنجر الأول في خصر الإلحاد من العلم نفسه ومن العالم الفيزيائي أدويل هابل، الذي جاء بدليله على أن الكون يتمدد وأنه في اتساع مستمر، مما يعني أنه كان يوم من الأيام أصغر فأصغر ثم أصغر حتى يصل إلى العدم. نظريته هذه تسمى "الانزياح الأحمر"، وهي باختصار مقياس لتحديد أبعاد النجوم والمجرات عنا.

حيث كان العالم أدويل هابل يراقب المجرات المحيطة بنا وأخرى في أعماق الكون، ولاحظ أن المجرات القريبة منا لها انزياح أحمر طفيف، في حين أن أطياف المجرات التي تبعد عنا تُـظهر أطيافاً تتزايد إزاحتها نحو الأحمر بتزايد بعدها عن الأرض. وكان ذلك غريباً؛ لأنه كان الاعتقاد السائد أن المجرات ثابتة في الكون، وكانت نتيجة بحثه مدهشة؛ من جهة أن المجرات تبتعد عنا وتتزايد سرعاتها بتزايد بعدها عنا، وذلك في جميع الاتجاهات التي ننظر إليها في الفضاء الكوني، وهذا يعني بما -لا يدع مجالاً للشك- أن الكون كله في حالة اتساع مستمر.

الخنجر الثاني لم يأتِ هذه المرة في الخصر؛ بل جاء في السويداء، ويسمى هذا الخنجر قانون الديناميكا الحراري الثاني، فهو ينص على أن أي وجود حراري مع مرور الوقت يفقد تلك الحرارة ويصل إلى العدم، والكون ما زالت فيه حرارة، مما يعني أنه حادث كما تقول الأديان السماوية، وليس قديماً أزلياً كما يقول الملاحدة؛ لأنه لو كان الأمر كذلك كان عليه أن يفقد الحرارة في القديم. أما التضمين الفلسفي الآخر، وهو خطر جداً على عقيدة الإلحاد؛ بل مدمر لها، هو أن الكون ليس أبدياً؛ بل الكون فانٍ كما تقول الأديان السماوية، فإن الكون لو فقد الحرارة ووصل إلى صفر المطلق فلن تكون هناك حياة ولا حركة.

الإجهاز على الميت جاء عندما استطاع العالم روبرت ويلسون والعالم آرنو بينزياس تسجيل ما سمي التشويش والانفجار الكوني الأعظم، وهو تشويش يأتي من كل مكان في الكون بالدرجة نفسها، وهو ثابت ومستقر في كل الأحوال والذي بسببه حصل على جائزة نوبل سنة 1978.

هكذا، أثبت العلم أن الكون حادث، هناك عقيدة عقلية مطلقة تقول: "كل حادث لا بد له من مُحدِث، الكون حادث، إذاً لا بد أن له محدِثاً هو الله". لماذا ضرورةً هو الله وليس غيره؟ يجب ألا يكون هذا المحدِث تحت سطوة الزمان ولا المكان، وألا يكون ماديا؛ً لأن الزمان والمكان والمادة خُلقت مع الكون، هذه الصفات تنطبق على الله قطعاً ولا أحد سواه بالتأكيد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.