المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نبيل عمر ينسي Headshot

أدلة الإيمان.. برهان الحدوث

تم النشر: تم التحديث:

جاء في أحد أسفار موسى الخمسة: فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ (1)، البداية والخلق والله ثلاثة مفاهيم ما زال الصراع محتدماً حولها الآن كما كان قبل 500 سنة ق.م، فقد ذهب أفلاطون إلى أن الله خالق للكون ومهندس له، لكن تلميذه أرسطو رأى أن الله محرك لا يتحرك، رفض خلق الله للكون، قال: قد يكون الله مسؤولاً عن تنظيم الكون، لكنه لم يأتِ به من العدم، وفي المقابل كان هناك من أنكر الخلق والبداية والله معاً مثل ديموقريطوس، أبيقور، لوكريتيوس.

كان أرسطو هو من أثر على فلاسفة الإسلام، وليس أفلاطون، فأنكر الفارابي وابن سينا وابن رشد الخلق، فقالوا بأن الكون ليس مخلوقاً بل هو قديم مثله مثل الله، والله يسبقه برتبة وليس بزمان، قال ابن رشد مشنعاً على الأشاعرة: إن استعمال لفظ الحدوث أو القدم بدعة في الشرع، وموقع في شبهة عظيمة تفسد عقائد الجمهور (2)، وقال في مكان آخر إنه ليس في الشرع أن الله كان موجوداً مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نص أبداً. (3 )

وقبل أن يقول ابن رشد هذا الكلام، كان أبو حامد الغزالي كتب نقداً لوذعياً لفلاسفة الإسلام أطلق عليه اسم تهافت الفلاسفة، يقول أبو حامد الغزالي عن سبب تأليفه هذا الكتاب، فإن رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد من الفطنة والذكاء، وقد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين بفنون من الظنون يتبعون فيها رهطاً يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً. (4)

عُني حجة الإسلام في التهافت بهدم الحجج التي ساقها الفلاسفة على تبرير قولهم بأزلية العالم، وكان له ذلك فيما ذهب إلى صياغة برهانه على حدوث العالم في كتاب آخر، فكان برهاناً بسيطاً وقوياً في نفس الوقت، يقول الغزالي: كل حادث فلحدوثه سبب، والعالم حادث، فيلزم منه أن له سبباً، ونعني بالعالم كل موجود سوى الله تعالى (5)، كل ما يحتاجه حجة الإسلام ليكون البرهان مفحماً، هو صحة المقدمة الأولى، كل حادث لا بدَّ له من محدث، وصحة المقدمة الثانية: العالم حادث، يوجد كوكبة من البراهين العلمية والفلسفية على صحة المقدمة الأولى والثانية كما يوجد بعض الاعتراضات.

لا يمكن أن يأتي شيء من لا شيء، بكل بساطة لأن لا شيء يعني لا وجود لا قدرة لا صفات لا ماهية، فهذا ضد المنطق، وهذا خرق لقانون السببية، رغم هذا هناك من يريد أن لا يسلم بهذه المقدمة الضرورية، يقول لورانس كراوس: من أكثر المغامرات الفكرية الرائعة في تاريخ البشرية، المغامرة التي يجب أن يلم بها كل من يهتم بالمعرفة المصادفة المتزعزعة التي سمحت بتكون وجودنا من لا شيء. (6)

لنطرح بعض الأسئلة: لماذا على الكون وحده أن يأتي من لا شيء؟ لماذا لم يأتِ كراوس من لا شيء أو كتابه أو هذا المقال؟ لماذا الكون وحده هو مَن عليه أن يأتي من لا شيء؟ ما الذي يجعل العدم انتقائياً هكذا؟ ما الذي يجعله يختار أن يأتي بالكون وحده وبعدها يتقاعد؟ هذا انتهاك لقانون السببية، والقرآن أبطل هذه الحماقة وأختها بضربة واحدة: "أم خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء (تأكيد على قانون السببية) أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (إبطال مغالطة الدور)".

وإذا كان يمكن لشيء أن يبزغ من العدم، وهذا مخالف للمنطق لماذا بزغ في هذه اللحظة ولم يبزغ قبل أو بعد؟ ما هو المرجح الذي رجح هذه اللحظة عما قبلها وما بعدها؟ لا بد أن هناك مرجحاً رجّح هذه اللحظة عن غيرها، فإذا ظهر المرجح كان الكون، وإذا لم يظهر استمر العدم.

شيء من لا شيء، وترجيح بلا مرجح، هذه الاعتراضات منافية للمنطق، إنها هراء، ومع ذلك لم تأتِ من لا شيء طبعاً، هذا ليس علماً وليس فلسفة، ولا يرقى أبداً لأن يكون سحراً في سحر، لدينا ساحر، مقدمة أولى، وقبعة مقدمة ثانية، النتيجة أرنب، وها هنا لدينا لا شيء مقدمة أولى، عدم مطلق مقدمة ثانية، النتيجة 100 مليون مجرة، وفي كل مجرة توجد ملايين الكواكب.

اعتراض آخر على المقدمة الأولى، يأتي من فيزياء الكوانتم، هناك بعض الظواهر فيها يظهر الجسيم من غير سبب مدرك، فيقول المعترضون: ها هو شيء ظهر من لا شيء، وهذا الاعتراض ساقط؛ لأنه لم يظهر من العدم، بل المادة كانت موجودة من قبل، وكل ما هنالك هو إعادة تدوير للطاقة الموجودة مسبقاً، ينص القانون الأول للديناميكا الحرارية على أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ولكن تتحول من شكل إلى آخر، وهذا ما حصل.

المقدمة الثانية التي تقول: العالم حادث، يوجد عليها كوكبة من الأدلة الفلسفية والعلمية، أولها كل ما لا يخلو من حوادث فهو حادث، الكون لا يخلو من حوادث فهو حادث، ونقصد بالحادث هو ما كان بعد إن لم يكن كل شيء مسبوقاً بالعدم، الكون هو عبارة عن كل شيء بداخله وكل أجزائه حادث، فالشمس لم تكن موجودة قبل 4.57 مليار سنة، فهي حادث، والقمر لم يكن قبل 4.535 مليار سنة، وهكذا مع سائر أجزاء الكون.

هناك اعتراض على هذا البرهان لصاحبه برتنارد راسل يقول بأننا نستعمل المغالطة التركيبية، وهي كالآتي: هذا البيت مكون من طوب صغير إذن فهذا البيت صغير أيضاً، لكن برتنارد راسل هو مَن يغالط في هذا الاعتراض، عندما أضفنا طوبة على طوبة تغيرت حقيقة الشيء، وأصبحت له ماهية أخرى، لكننا في مثالنا السابق لم تتغير حقيقة الشيء مئات التريليونات من الكائنات ممكنة الوجود، لا تساوي واجب الوجود تماماً، كما لا يساوي مليون مليون من الأموات حياً واحداً ما زلنا نحتاج إلى واجب الوجود وهو غير موجود داخل الكون.

إذا لم يكن للكون بداية، فيجب أن تكون مرات أحداث لا تنتهي في الماضي، وما لا ينتهي لا يمكن أن يكون موجوداً؛ لأنه في حالة قول ذلك يلزم منه محالات، وأول محال هو ما لا ينتهي هو ما لا ينقضي، هو ما لا يمكن الوصول إليه، لكنه انقضى ما لا ينقضي، ونحن وصلنا إليه إلى ما لا نهاية، وهذا محال، هذا يبدو واضحاً، عندما يحاول أحدهم العد إلى من لا نهاية، فهل سيصل أبداً؛ لأنه كل مرة يقول وصلت، ستكون هناك أعداد ليعدها، وفي النهاية لن يصل، إذن كيف وصلنا نحن إليه؟ يجب أن تكون الأحداث متناهية في الماضي.

المحال الثاني هو ما لا ينتهي، هو ما لا يوجد ما هو أكبر منه، لكن أحداثاً لا نهاية لها في الماضي، إضافة إلى الأحداث التي ستأتي في المستقبل هو أكبر، وهذا محال آخر.

يقر أحد أكبر المعارضين لهذا البرهان بأن لا نهاية، محال أن توجد فعلاً بهذه الطريقة، لكنه يقترح لا نهاية أخرى، يقول ابن رشد: صحيح لا يمكن أن تتعاقب على محل أعراض لا نهاية لها؛ لأن ذلك يؤدي إلى انقضاء ما لا نهاية له قبل حدوث العرض، مشار إليه كهذا السواد في هذا القلم مثلاً، لكنه يرد قائلاً: هذا لا ينفعهم؛ لأنهم لم يفطنوا إلى أن هذا صحيح فقط بالنسبة للحركة المستقيمة، أما بالنسبة للحركة الدائرية فلا، فإذا تعاقبت الأعراض تعاقباً دائرياً مثل إن كان هناك غيم فقد كان بخار صاعد من الأرض، وإن كان بخار صاعد من الأرض فقد ابتلت الأرض، وإن كان ابتلت الأرض فقد كان مطر، وإن كان مطر فقد كان غيم، وتعود السلسلة نفسها، فإنه لا يلزم انقضاء ما لا نهاية له قبل حدوث عرض معين كالمطر (7)، لكن هذه اللانهاية ممكنة الحدوث وغير محالة، ولا تصطدم مع العقل، لكن العلم أبطلها، وتحديداً القانون الثاني للثرموديناميكا (سيأتي بينه).

أول الأدلة العلمية على صحة المقدمة الثانية هو قانون ثان للثرموديناميكا الحرارية الذي ينص على أن الأجسام تفقد الحرارة شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى الموت الحراري، إذاً نحن أعطيناها مدة من الزمان محدودة، والحاصل أن الكون لم يصل للموت الحراري، فهذا يدل على أنه غير أزلي وأن له بداية.

فإن كان أزلياً كان عليه أن يكون الآن قد وصل للموت الحراري من مدة لا نهاية لها، يقول فرانك ألان: قوانين الديناميكا الحرارية تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً، وأنها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة وتستحيل الحياة (8)

وهذا القانون يوافق عليه الجميع، مؤمنين وملاحدة، يقول برتنارد راسل: الأرض لن تبقى دائماً مسكونة، والعرق البشري سوف ينقرض، إن القانون الثاني للتروديناميكا يجعل من المستحيل تقريباً أن نشك في أن الكون في طريقه إلى التوقف عن العمل. (9)

الدليل العلمي الثاني على صحة المقدمة الثانية هو نظرية الانفجار العظيم التي تنص على أن للكون بداية مطلقة، تقول هذه نظرية إنه قبل 13.8 مليار سنة لم يكن هناك مكان ولا زمان ولا مادة، وعند ظهورها اتهمها الملاحدة بأنها ليست علماً بل إنها خلق متنكر في ثوب العلم، أما الآن فالكل يقر بصحتها، يقول الفيزيائي البريطاني مارتن ريس: منذ بضع سنين كنت أثق بنسبة تسعين بالمائة بأنه قد حدث انفجار كبير، وأن كل شيء في كوننا المشاهد بدأ ككرة مضغوطة من اللهب أكثر سخونة من مركز الشمس بكثير الآن، صارت الأدلة أقوى بكثير، والتقدم المذهل في الملاحظة والتجارب قد سلط الضوء على الصورة الكونية الواسعة خلال التسعينات، وإنني لأرفع الآن من درجة يقيني إلى تسعة وتسعين بالمائة. (10)

يشرح الفيزيائي ستيف هوكينغ كيف كان الكون قبل الانفجار العظيم، يقول: كان العالم محصوراً في نقطة مفردة حجمها صفر، مثل كرة نصف قطرها صفر، وفي هذا الوقت كان لا بد لكثافة العالم وتحدب الزمكان أن يكون لا نهائيين، وهو الوقت الذي نطلق عليه الانفجار العظيم (11)، ويشرح فيزيائي آخر الأحداث التي صاحبت الانفجار، يقول بول ديفيز: كون كان يتمدد ويبرد بصورة سريعة جداً وللإيضاح فقد تضاعف حجم الكون المرئي تقريباً 1 و2 ميكروثانية (واحد على مليون من ثانية) بعد الانفجار الكبير. (12)

نقول مع الغزالي: كل حادث فلحدوثه سبب، الكون حادث فيلزم منه أنه له سبب، كما يلزم لهذا السبب صفات؛ الأولى أن يتسمى عن الزمان والمكان والمادة؛ لأنه هو من خلق المادة والزمان والمكان، ولأنه كان قبل أن تكون، كما يجب له القدرة، فهو قدير، والقدرة وحدها لا تكفي لخلق الكون، كما لا تكفي القدرة على الكتابة، للكتابة يلزم صفة أخرى هي الإرادة فهو مريد عندما يكون كائناً ما، قدير مريد يلزم له الحياة فهو حي.

عندما يضع كائن ما كل شيء في مكانه يسمى حكيماً، فهذا سبب ثبتت له الحكمة، فهو حكيم، ولكي يكون شخصاً حكيماً عليه قبلها أن يكون عليما؛ لأنه كيف سيضع كل شيء في مكانه، وهو لا يعلم مكانه أصلاً، إذن ثبت لهذا السبب العلم كائن كل شيء محتاج إليه، وهو غير محتاج، يسمى غنياً، إذن ثبت له الغنى، وهذا السبب ثابت له الرحمة؛ لأنه كحال العدم بالوجود فهو رحيم، أخيراً لا يوجد كائن موجود بذاته إلا هو، الكل موجود بغيره، يقال له ليس كمثله شيء، في الإسلام يسمى هذا الكائن الله، وهو الذي يوصف بأنه بديع السماوات والأرض، لا إله إلا هو سبحانه.
ــــــــــــــــــ
المراجع
1- سفر التكوين 1-1.
2- الكشف عن مناهج الأدلة، 172.
3- فصل المقال، 36.
4- تهافت الفلاسفة، 37.
5- الاقتصاد في الاعتقاد، 35.
6- كون من لا شيء، 10.
7- الكشف عن مناهج الأدلة، 79.
8- الله يتجلى في عصر العلم، 12.
9- لماذا لست مسيحياً؟ - 45.
10- ستة أرقام فقط، 26.
11- تاريخ أكثر إنجازاً للزمان، 77.
12- الجائزة الكونية، 76.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.