المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نبيل بكاني  Headshot

الانتخابات المغربية وتعزيز الديموقراطية ب"الهراوات" والفائز الحقيقي هو موقف المقاطعة

تم النشر: تم التحديث:

الفائز في انتخابات 2015 البلدية والجهوية الحقيقي هو موقف المقاطعة، والبقية أخطؤوا الهدف. من كان يعتقد أن الخطاب الرسمي وحده كاف لتغيير ثقافة "مخزنية" انتخابوية تمرست على احتقار ارادة المواطن فهو بالتأكيد مخطيء.

الجميع عايش اللحظة الأخيرة من العملية الانتخابية، أو لحظة الحسم، وكيف انتهت كل مفردات الكلام المعسول الذي تغنت به الحكومة ووزارة الداخلية التي لحد الآن مازلنا غير قادرين على إيجاد موطئ لها، وهل يجوز تصنيفها ضمن الحكومة الشبه منتخبة التي يقودها بن كيران بثلث وزراء تكنوقراط من خارج الصناديق، أو نصنفها ضمن حكومة الظل، أو حكومة القصر التي يقودها فؤاد عالي الهمة، المستشار الملكي الأول وصاحب الولاية والأمر على الائتلاف الحكومي الذي يقوده العدالة والتنمية، أو ما نسميه تجاوزا الحزب الحاكم.

عملية التصويت التي جرت يوم الجمعة، شخصيا وقفت على جملة من الاختلالات التي شابت الدائرة التي أتواجد بها، فمن ناحية تم تجميع بطاقات الهوية لكل مواطن (ناخب) ما أثار استغراب الحاضرين، حيث أنه بدل أن يدلي الناخب ببطاقته الوطينة ويدخل مباشرة إلى "المعزل" للادلاء بعد ذلك بصوته، فُرض عليه أن يضع بطاقة هويته أمام رئيس المكتب والانتظار في الخارج ضمن طابور طويل، دون أي توضيح لهذه الطريقة الجديدة، في حين تم السماح للبعض بالدخول دون انتظار في خرق سافر لنظام الطابور، أيضا من الاختلالات الخطيرة تفاجأ نسبة هائلة من الناخبين أثناء أدلاءهم ببطائق الهوية عدم تضمين أسماءهم في قوائم التصويت، ما يفسر كاقصاء لفئة عريضة من المواطنين من حقها في المشاركة في العملية الانتخابية التي تقول الدولة أن الهدف منها هو تعزيز الديموقراطية، أضف إلى ذلك جملة الانتقادات التي وجهتها هيئات حقوقية وحزبية للعملية، وأبرزها الفساد وشراء الذمم ووقوف السلطات في الحياد السلبي، أيضا رفض تسليم المحاضر لنواب المرشحين عند انتهاء عملية الفرز.

من أخطر الاختلالات، والتي كشفت من جديد وجه التناقض في الخطاب الرسمي، ما تعرض له دعاة المقاطعة من تعنيف وترهيب واعتقالات من الشارع العام خلال التجمعات التي كانوا ينظمونها خلال الحملة أو أثناء توزيع منشورات المقاطعة على المواطنين، أضف إلى ذلك أصناف الاذلال والاهانة التي لم تحترم حقوق الانسان، خلال الاعتقالات التعسفية ضد فئة نزلت سلميا إلى الشارع لتعبر عن رأي يخالف رأي وزارة الداخلية والقصر، حتى لا نقول الحكومة لأن الحكومة مجرد ديكور. هكذا تتضح آلإرادة العليا في الإصلاح وتعزيز الديموقراطية، ليس عن طريق التحاور والتشارك في اتخاذ القرار، وانما عن طريق الهراوة والترهيب وفرض الأمر الواقع والارضاخ لارادة الدولة، لأن أي اعتراض على مشيئة الدولة ورؤيتها الإصلاحية في مجال الديموقراطية، هو في نظرها عرقلة لهذا المسار وإيقاف لعجلة الإصلاح الديموقراطي، ولأن الدولة هي الوصي على الشعب وهي صاحبة ولاية الأمر عليه، ولأنها تعرف مصلحته أكثر منه، وحتى تضمن لنا بلوغ الديموقراطية، يتوجب على الجميع الرضوخ والقبول بقرارها، وأي جدال أو اعتراض قد يجعل لقدر الله قطار الديموقراطية يزيغ عن السكة، لدى توجب الطاعة، حتى وأنت تناقش موضوع الديموقراطية وحرية التعبير، فلا أحد يمنعك من التعبير عن رأيك أو ممارسة حقك ضمن ما تسمح به الديموقراطية مادمت راضيا عن سياسة الدولة ولا تناقش الأفراد في قراراتهم ولا تعترض على آلإرادة الرسمية، وأي خروج عن توجيهاتها، فهنالك وسائل في منتهى الديموقراطية تنهجها الدولة في مثل هذه الأوضاع، حيث يتم ركلك والتنكيل بك وسحل جثتك على الأسفلت أوالتفاف خمسة أو ستة من قوات الأمن حول جسدك الممدد على الأرض واشباعك ضربا بالهراوات، واذا تحول صوتك إلى نشاز مزعج وزاد عن حده في انتقاد السياسات العليا، فاعلم أن في انتظارك غرفة مكيفة آخر تكييف تقضي فيها فترة راحة مدة سنة أو سنتين بموجب تهمة جاهزة.

هذه الانتخابات لن تفرز سوى المزيد من احتكار "المخزن" للسلطة. فاشكالية المغرب، تكمن في تداخل السلط، واستقواء جهة معينة على أخرى؛ مثلا نجد في البلدية "رئيس البلدية"، وهو شخصية منتخبة بسلطات جد محدودة، وبالموازاة وفي نفس البلدية، هناك "الباشا" وهو موظف في سلك وزارة الداخلية بسلطات محلية جد موسعة مقارنة برئيس البلدية. وفي الجهة تجد رئيس الجهة وهو منتخب، وبالموازاة ثمة الوالي وهو معين بـ "مرسوم" ملكي، وهو صاحب النهي والأمر، وله من السلطات ما يجعله يقيل ويحاسب ويفرض ويقرر في كل شيء.

المعنى الفلسفي للديموقراطية، هو حكم الشعب للشعب، بمعنى أن يفرض الشعب سلطته عبر التفويض أو انتداب من ينوب عنه من خلال صناديق الاقتراع، وبالتالي يفوض الشعب سلطاته لمن يمثله، هذا الأخير يستمد مشروعية سلطاته من الشعب أو من صناديق الاقتراع. فحين تفرز لنا هذه الصناديق ممثلين، سلطاتهم ضعيفة ومحدودة بموجب الدستور الذي منح الملك حق تعيين الولاة وكبار الموظفين، فان هؤلاء الممثلين يتحولون إلى مجرد آليات أدارية بيروقراطية، لا تحرك ساكنا ولا تبادر إلا بعد أن تستشير المسؤولين المحليين أو الجهويين لوزارة الداخلية، الوزارة التي يحكم بها "المخزن" البلاد، وهكذا، فان هذا الممثل الذي اخترته ليدبر شؤونك ويدافع عن حقوقك، هو في الواقع، أضعف من أن يحرك ساكنا، لأنه في الأصل خائف من أي غضبة من وزارة الداخلية أو من الوالي أو مما يسمى إداريا بسلطة الوصاية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع