المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نبيل الطرابيشي Headshot

بين الخارطة الطريق الروسية للطاقة في سوريا

تم النشر: تم التحديث:

نُشر مؤخراً خبر في وسائل الإعلام الروسية مفاده أن وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك وقَّع مع نظيره السوري (وزير الكهرباء) محمد زهير خربوطلي ما سُمّي بخارطة الطريق للطاقة في سوريا، وتتضمن اتفاقيات من أجل تأهيل مرافق الطاقة في البلاد، وستُسهم شركة تكنوبروم اكسبورت الروسية في إعادة بناء أربع محطات كهروحرارية، بالإضافة لبناء محطات أخرى جديدة، وسيكون التعاون في مجال الطاقة مع روسيا حصراً، كما أكد نائب رئيس الوزراء الروسي.

طبعاً الخبر لم يلقَ الكثير من الاهتمام؛ نظراً لما يحدث حالياً على الأرض من قصف وتهجير للمدنيين في أنحاء شتى في سوريا، ولكن هذا الخبر سيكون له آثار كبيرة على مستقبل سوريا إذا استقرت الأمور كما يحب الروس.

فسوريا لديها بعض النفط والغاز الطبيعي، ولكنها ليست دولة نفطية بالمعنى المتداول في الشرق الأوسط، فالمخزون المعلوم من النفط والغاز الطبيعي، حسب معطيات إدارة الطاقة الأميركية هو 2500 مليون برميل، أو ما يعادل 15.5 إكسا جول للنفط (الجول هو وحدة الحرارة في نظام القياسات المتري) و8500 بليون قدم مكعب للغاز الطبيعي أو ما يعادل 9.63 إكسا جول (الإكسا هو بليون بليون)، وإذا أخذنا بالحسبان معدلات استهلاك النفط والغاز مثلاً في عام 2010 فعندها نرى أن مخزون النفط يكفي لحوالي 12 سنة والغاز لحوالي 32 سنة، أي أن سوريا ستضطر لاستيراد النفط والغاز، وسيكون على الأرجح من روسيا، وبذلك ستكون معتمدة على روسيا لحد كبير، رغم أن سوريا لديها الإمكانية نتيجة موقعها الجغرافي الممتاز من الاكتفاء بالاستفادة من الطاقة المتجددة المتوافرة بشكل كبير، مثل الطاقة الشمسية ولحد أقل طاقة الرياح، بل يمكن أن تكون من الدول المصدرة للطاقة، بدلاً من استنزاف مواردها في بناء هذه المحطات الكهروحرارية وشراء الوقود اللازم لتشغيلها.

طبعاً الكلام أعلاه لم يأخذ بالحسبان حقل "لفيتان"، وهو الحقل الضخم على ساحل البحر الأبيض المتوسط الذي يمتد من مصر جنوباً حتى حدود تركيا شمالاً، ويقدر احتياطي الغاز فيه بحوالي 122 تريليون قدم مكعب، وحصة سوريا فيه لا تقل عن 20 تريليون قدم مكعب.

المستفيد الوحيد حالياً هو إسرائيل؛ حيث وسَّعت مجالها البحري على حساب مصر ولبنان، وأقامت منظومة دفاع متطورة لحماية هذه الحقول في حال تطورت الخلافات حول الحقول لنزاع مسلح، وعقدت العديد من الاتفاقيات مع شركات غاز ونفط عالمية بما فيها شركات روسية لاستثمار جزء من هذا الحقل.

على أن روسيا سيكون لها طريق آخر لهذا الحقل عبر اتفاقيات مع سوريا تعطيها الحق الحصري للاستثمار في مجال الطاقة، وهذا يغطي بشكل طبيعي حقول الساحل. ولكن حتى لو تيسّر استثمار هذه الحقول فالأفضل لمستقبل سوريا هو الاستفادة من الطاقة المتجددة المتاحة، وبيع ناتج تلك الحقول والاستفادة من الريع في عملية التنمية.

وتكمن أهمية الغاز الطبيعي في أنه الوقود الأحفوري الأقل تلويثاً للبيئة، ولذلك فهو مناسب للاستخدام خلال مرحلة الانتقال لمصادر متجددة، بحيث تكون الخطوة الأولى بالاستغناء عن النفط واستبداله بالغاز الطبيعي، ومن ثَم الاستغناء عن الغاز والاعتماد على مصادر متجددة، وذلك للحفاظ على البيئة من الآثار المدمرة للتلوث بالغازات الناتجة من احتراق الوقود الأحفوري، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون الذي يبقى في الغلاف الجوي لآلاف السنين، وللحد من هذه الآثار فقد وقّعت دول العالم - باستثناء الولايات المتحدة التي يراجع فيها حالياً ترامب قراره بالانسحاب العام الماضي - على معاهدة خفض الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري التي تمت في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2016 في باريس.

وهذه الاتفاقية العالمية ستكون على درجة كبيرة من الأهمية؛ لذلك فالاعتماد على الوقود الأحفوري سيجعل الالتزام بالمعاهدة صعباً ومكلفاً، كما أن عدم الالتزام سيؤدي لعزلة عالمية، وعلى المدى المنظور فمن غير الواضح كيف سيكون الانتقال للطاقة المتجددة ممكناً؟ حيث إن روسيا ليست من الدول الرائدة في هذا المجال، وعندها مخزون ضخم من النفط والغاز، كما أن طقسها ليس مثالياً للطاقة الشمسية مثلاً، وبالتالي ستكون سياستها في سوريا على الأرجح امتداداً لسياستها على أرضها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.