المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نبيل عودة Headshot

الحروب الرقمية والقصف الإلكتروني

تم النشر: تم التحديث:

يشهد العالم تطوراً سريعاً ليس في مجال تقنية المعلومات والاتصال فحسب، بل أيضاً في مجال الأمن واتساع مصادر التهديد.

فمع التطور المدهش في شبكة الإنترنت، وهيمنة الفضاء الإلكتروني على تفاصيل حياتنا اليومية، والقدرة الهائلة التي تتمتع بها الشبكات الرقمية من ربط كافة شؤون حياتنا؛ امتداداً من الشؤون الاقتصادية والتجارية إلى الشؤون السياسية والأمنية والترفيهية أيضا، فإن مصادر التهديد باتت أقرب إلينا من أي وقت مضى، حيث لم يعد الخطر يأتي إلينا من البيئة الخارجية بل من مساكننا ومن أمام شاشات حواسيبنا الشخصية.

واحد من مصادر التهديد هذه تعرف بالحروب الرقمية (Digital Warfare) والتي تؤرق على وجه الخصوص الدول الصناعية المتقدمة تكنولوجياً أكثر من غيرها.

ربما هذا شيء يبعث على السخرية، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن الدول المتقدمة تعاني من نقاط ضعف كثيرة بالمقارنة بالدول المتأخرة تكنولوجياً؛ نظراً لاعتمادها الكبير على شبكة الإنترنت في تسيير أعمالها، الأمر الذي يجعل احتمالية تعرّضها لهجمات رقمية مرتفعة جداً.

في الحقيقة يقسم خبراء الأمن الإلكتروني الحروب الرقمية إلى قسمين: الأولى وتدعى الحرب الشبكية (Netwar)، ويتعلق هذا النوع من الحروب بالصراعات ذات الطابع المعلوماتي على مستوى الأمم والمجتمعات؛ وتهدف إلى تخريب أو تدمير ما يمتلكه الهدف من معرفة عن نفسه أو ما يعتقد أنه يعرفه عن نفسه أو عن العالم من حوله.

ويدخل استهداف الرأي العام أو النخب الحاكمة في نطاق أهداف هذه الحرب، وذلك من خلال المراوحة بين الأساليب الدبلوماسية والبروباغندا أو الحروب النفسية، ولكن مع ذلك يبقى التسلل إلى قاعدة البيانات أو شبكة الحاسوب الخاصة بالخصم السلاح المفضّل في هذا النوع من الحروب.

أما النوع الثاني فيعرف بالحرب الإلكترونية (syberwar)، وهي عبارة عن شنّ عمليات عسكرية؛ مستندة على مبادئ تكنولوجيا المعلومات، وتهدف إلى تخريب أو تدمير الأنظمة المعلوماتية للخصم، ومعرفة كل ما يتعلق به، بينما السعي في ذات الوقت لإبقائه في حالة ارتباك وتشويش تؤدي في نهاية المطاف إلى إحداث انقلاب في توازن قوى معلوماتي لصالح الطرف المهاجم الذي لا يتمتع في الغالب بتفوق مادي على الخصم.

ربما يكون من المبكر الحديث عن طبيعة هذا النوع من الحروب الرقمية، ولكن الأكيد أن هذا النوع من الحروب يفرض نفسه كأمر واقع، وتعبر عن مدى الخطر الحقيقي الذي بات يهدد الأمن القومي للدول والجماعات والأفراد على حدّ سواء.

وعليه فإن السؤال حول إذا ما كان هنالك هجوم إلكتروني لم يعد مطروحاً حالياً على الإطلاق، بل المطروح هو متى؟ وكيف؟ سوف يقع مثل هذا الهجوم.

لا تعرف هذه الحروب الرقمية الحدود ولا المسافات، فقد يكون بين المهاجم والهدف آلاف الأميال، فالإلكترونات لا تحتاج إلى "جوازات سفر"؛ لكي تعبر من دولة إلى دولة أخرى.

كما أن هذه الهجمات لا تعرف التقسيمات الزمنية المتعلقة بالفارق بين زمن الحرب وزمن السلم، فكما يمكن أن تشن الهجمات الإلكترونية في وقت الحروب الفعلية فهناك احتمالية كبيرة أيضاً أن تشن في زمن السلم، وذلك من أجل التعبير عن الاعتراض والاحتجاج ضد سياسة ما أو لغايات التجسس وجمع المعلومات.

كما أن التمايز الواضح في الحروب التقليدية حول طبيعة الهدف، أي بين ما هو عسكري وبين ما هو مدني، يكاد يتلاشى في الحروب الرقمية.

لقد ساد اعتقاد في البادية أن الحروب الإلكترونية لا ينجم عنها ضحايا فعليون، ولكن لك أن تتخيل كم عدد الضحايا سوف يقع في حال تم استهداف أحد المستشفيات الكبرى وتم تعطيل أنظمته المعلوماتية وشبكات تزويد المياه والكهرباء، عندما سيجد العشرات بل المئات من المرضى أنفسهم بلا أدنى رعاية طبية، الأمر الذي سيعرض حياتهم للخطر.

وقد شهدت الحروب الرقمية تطوراً ملحوظاً فيما يتعلق بطبيعتها التدميرية، فبعد أن كانت الهجمات الرقمية بادئ الأمر مقتصرة على ما يمكن وصفه بالتحرشات أو الاحتجاجات الرقمية، فقد وصلت في الآونة الأخيرة لمستويات خطيرة بات البعض يطلق عليها اسم "أسلحة الدمار الشامل الرقمية".

ويشن النوع الأول من الحروب الرقمية في الغالب مجموعة من القراصنة (الهاكرز) يهدفون من خلالها لإيصال رسالة احتاج محمَّلة بالغالب بدوافع قومية.

ففي مطلع عام 2001 - على سبيل المثال - تعرضت الكثير من المواقع الإلكترونية اليابانية سواء تلك التابعة للحكومة أو القطاع الخاص لحملات من قراصنة في كوريا الجنوبية، وذلك احتجاجاً على موافقة السلطات اليابانية على إصدار كتاب يتعلق بفترة الاحتلال الياباني لأراضي كوريا الجنوبية.

وقبل ذلك بعام واحد تعرضت مواقع إلكترونية هندية لهجومات من قراصنة باكستانيين على خلفية الصراع على الأراضي الكشميرية.

كما أن ما يقرب من 166 موقعاً إلكترونياً إسرائيلياً و 15 موقعاً فلسطينياً تعرضت لهجمات من قراصنة تابعين للجهتين مع اشتداد المواجهات بينهما على الأرض إبان انتفاضة الأقصى في عام 2000.

أما الحرب الإلكترونية الحقيقية فقد شنها ما يعتقد أنهم عملاء تابعون لروسيا على جمهورية إستونيا على خلفية رفع الأخيرة لتمثال يعبّر عن الجنود الروس في حقبة الاتحاد السوفييتي.

وقد أخذ الهجوم الذي بدأ في شهر أبريل/نيسان من عام 2007 شكل حملة واسعة ومكثفة على الحكومة الإستونية والوكالات الرسمية والبنك المركزي والعديد من وسائل الإعلام باستخدام هجمات مكثفة من الرسائل الإلكترونية أو ما يعرف بـ(DOS Attacks) والتي أدت إلى ثقل كبير على شبكة الإنترنت العاملة في البلاد؛ حيث نجم عن ذلك توقّف شبه كامل للخدمات العامة لبعض الوقت.

لقد شكلت هذه الهجمة صدمة وصل صداها إلى العالم أجمع، فقد كانت هذه أول مرة يتم فيها تهديد الأمن القومي لدولة ما من خلال الهجمات الإلكترونية بهذا الحجم.

ولقد سلط الهجوم على إستونيا الضوء من جديد على خطر الحروب الإلكترونية بعد أن توارت خلف ضجيج الحرب الكونية على الإرهاب التي شنتها إدارة الرئيس الأميركي بوش بُعيد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وحتى وقتنا الحالي.

وفي أغسطس/آب 2010 توقفت المعالجات النووية في موقع نتاز الإيراني عن العمل فجأة في ذروة التصعيد بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

كان هذا التوقف الفجائي بسبب فيروس عرف باسم Stuxnet، وقد اعتبر فيروس استكسنت الأكثر تطوراً من البرمجيات الخبيثة التي تعمل على التدمير الصامت والذكي للأنظمة الإلكترونية التي تخترقها.

وبالرغم من أن أحداً لم يعلن مسؤوليته عن الهجوم، فإن أصابع الاتهام وجهت لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فالبرنامج الذي أنتج فيروساً كهذا مكلف للغاية، كما أنه يحتاج لتقنيات متطورة جداً لا تمتلكها إلا الدول المتقدمة، فهذا الفيروس ببساطة يستطيع أن يصل إلى أهدافه حتى تلك غير المتصلة بشبكة الإنترنت.

ويصف خبراء التكنولوجيا من أمثال رالف لانغر هذا الاختراع بمثابة أسلحة الدمار الشامل الإلكترونية، وذلك لقدرتها على تدمير أنظمة بأكملها بصمت ودون إدراك من أحد.

في نهاية المطاف لا يتوقف التحدي المتعلق بالحروب الإلكترونية على طبيعتها أو نوعية الأسلحة المستخدمة فيها، بل يتعداه ليشمل غياب الإجماع الدولي المتعلق بسن تشريعات من شأنها أن تنظم علاقة الدول في الفضاء الإلكتروني من جهة، وضعف تنسيق الدول فيما بينها؛ للحد من الهجمات الإلكترونية والتصدي لها من جهة أخرى.

لا شك أن المستقبل سيحمل لنا الكثير فيما يتعلق بالحروب الإلكترونية، ولكنني لا أشعر بتفاؤل كبير -على المستوى الشخصي- حيال قدرة الدول الكبرى على التوصل إلى إجماع من نوع ما للحد من خطر الحرب الرقمية، فالنظام السياسي العالمي يشهد حالة مزرية من غياب التوافق الدولي فيما يتعلق بمعالجة المشاكل ذات الاهتمام الإنساني المشترك.

علينا فقط لكي ندرك حجم الفجوة في التوافق الدولي بالنظر إلى قرار الولايات المتحدة الانسحاب من معاهدة باريس للمناخ مؤخراً، وهذا في حد ذاته يبعث على القلق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.