المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مريم القاضي Headshot

عن تسريب الامتحانات في الجزائر عندما تصبح الرداءة ثقافةً ونمط حياة!

تم النشر: تم التحديث:

التحقيقات ما زالت جارية، والسلطات في حالة تأهب، وليس من المستبعد أن تعلن حالة طوارئ.. لماذا؟

السبب هو تسرب مواضيع امتحانات شهادة البكالوريا لسنة 2016، وهي القضية التي أشغلت السلطات والرأي العام والخاص، وكأن توقيتها جاء ليغطي شيئاً ما.

السؤال المطروح هنا هو: ما هو المعيار الذي على أساسه يقوم النظام الجزائري باختيار القضايا والمواضيع "المدخلات" من أجل معالجتها؟ وما هي القضايا ذات الأولوية بالنسبة له؟

إن التضخيم الذي تحظى به هذه القضية دون ما سبقها من القضايا يدفع للتساؤل والاندهاش؛ هل قضية تسريب مواضيع البكالوريا أهم بكثير من فضيحة سوناطراك وشكيب خليل Panama papers, Les comptes offshores .. - والقائمة لا تزال في تزايد مستمر؟ أم أنها قضايا لا تهم النظام الجزائري؟

لست مع من سرب المواضيع، ولست مع نورية بن غبريط، وزيرة التربية والتعليم، وزملائها، ولست مع التلاميذ الذين لم يستحوا وباركوا الحادثة أمام كاميرا التلفاز -لن أطلب منهم مقاطعة هذه التسريبات، لكن على الأقل حفظ ماء الوجه من أجل مستقبل شريف- لست مع مَن سرب المواضيع أياً كان، فهو لا يخدم التلاميذ ولا يعاقب النظام فقط يزيد الطين بلةً، لست مع بن غبريط عندما قررت فصل الإنترنت عن بلدٍ بكامله لمدة أسبوع، ضاربة بذلك عرض الحائط اقتصاد البلاد والشركات المستثمرة فيها، لست مع من تبنى مناهج إصلاحية "إفسادية" دون تنقيح ولا تكييف!

التحقيقات ما زالت جارية، والفضائح لا تزال تُكتشف، والفساد لا يزال يُمارس، والجزائر ما زالت واقفة، والجزائريون لا يزالون يرددون "مِيزِيرِيّا وتحيا الجزائر"! نعم؛ المِيزِيرِيّا هي كلمة عُربت من La misère وتعني البؤس والشقاء، وتعكس فكر وثقافة المواطن الجزائري في القرن 21م، بؤس وشقاء اقتصادي وثقافي وزد عليه ما شئت، المِيزِيرِيّا لا تعني فقط الوضع الاقتصادي المتدني، بل هي وضع ثقافي منحط كذلك، وهي شعار من الشعارات السلبية التي أصبحت ترافق المواطن الجزائري أينما ذهب وولى، الجزائر أصبحت محاطة بهالة سوداء تنشر طاقة سلبية تعيق التفكير البناء: إيه واش نديروا؟ نورمال توالف، ما تعمرش راسك هكا حبّوا، ياودِّي يتهاردوا...

والتحقيقات ما زالت جارية.. والفساد ما زال يُمارس... حتى سئمنا سلسلة التحريات هذه، وأصبحنا لا نبالي إن كان التحري سيعود لحجمه الطبيعي أم لا، كثرة الحديث عن الفساد قللت من خطورته وجعلته كرواسون الصباح، كثرة الحديث عن شكيب خليل جعلت مشكلتنا مع شكيب خليل بدل وزارة الطاقة والمناجم، وبدل تبني مشاريع إنمائية والتخلي عن الاقتصاد الريعي، كثرة الحديث عن نورية بن غبريط جعلت مشكلتنا مع نورية بن غبريط بدل المنظومة التربوية الفاشلة والعقيمه، كثرة الحديث عن Panama papers وLes comptes offshores جعلت مشكلتنا مع الأرقام، كثرة الحديث عن سلاّل جعلت مشكلتنا مع سلاّل بدل حكومته... وقِس على ذلك.

ثم يتحدثون عن تحقيقات ما زالت جارية، وصفحات فيسبوك متهمة بالتواطؤ مع المسربين الأساسيين -وكأن ابنة سلاّل لم يذكر اسمها مؤخراً في قائمة الفساد، وهو الذي قال: "من غشّنا فليس منّا"، لكن شكيب خليل منّا وفينا- وعليه وحسب ما سبق، فإنه يجب على المواطنين أن يتحلّوا بصفاتٍ مثاليةِ وكأننا في مدينة أفلاطون الفاضلة، بل يجب عليهم الترفع عن المشاركة في الفساد وعدم نشر المواضيع المسربة؛ فالفساد لعبة الكبار!

والفجوة بين المواطن والنظام في اتساع مستمر: كل يغني حسب ما يحلو له، وكل يغني على ليلاه.

من الذي سوف يدفع الثمن؟ التلميذ الذي أصبح عبداً لمنظومة تربوية عقيمة؟ أم أولياؤهم الذين وضعوا جل مداخيلهم وميزانيتهم في الدروس الخصوصية وراهنوا على نجاح أبنائهم؟

عندما تحال قضية الشعب إلى العدالة الجزائرية، فتأكدوا أن "الماتش مبيوع"!

مشكلتنا ليست مع شكيب خليل ولا نورية بن غبريط ولا غيرهما من الأشخاص والأفراد، فهم ليسوا إلا عرائس قراقوز، مشكلتنا ليست مع سلاّل ولا حكومته.

مشكلتنا ليست مع النظام بل مع المنظومة، تلك المنظومة التي عجزت عن أن تخلق خلية مستعجلة لإدارة أزمة تسريب مواضيع البكالوريا لهذه السنة بمجرد انتشار الفضيحة وغيرها من الأزمات... مشكلتنا أخلاقية، مشكلتنا مع أنفسنا، مع هويتنا، مع الهواء الملوث الذي نتنفسه، مشكلتنا أننا أصبحنا أمةً تقبل الرداءة بامتياز ولا تبالي بالتدهور، اقتصادياً كان أم ثقافياً.

يقول المثل الغربي: "ليس الممنوع أن تسرق، إنما الممنوع هو أن يُتقبّض عليك في الجرم المشهود"!! حتى للفساد حضارةٌ وأصول.

أخيراً وليس آخراً، إن البلد الذي لا يزال واقفاً محافظاً على استقراره واستمراره رغم كل هذه الفضائح المتتالية دون انقطاع، شعبه خارج النطاق ويغرد خارج السرب وليس بلداً معجزة، ولا غريب في ذلك طالما أن الأنظمة "ديمقراطية كانت أو ديكتاتورية" تستمد شرعيتها من الشعب وإلى الشعب.

فليرسم الشعب مصيره بنفسه ولا يذرف دموع التماسيح، فهو في الجريمة شريك؛ إذ أن السّاكت عن الحقِ شيطانٌ أخرس!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.