المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

معتز الفجيري Headshot

عندما تكون الدولة شريكاً في صناعة اﻹرهاب

تم النشر: تم التحديث:

يحظى الآن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بدعم أوروبي وأمريكي انطلاقاً من أن مصر في أمس الحاجة إلى دولة قوية، وحاكم قوي يستطيع فرض اﻷمن واﻻستقرار في وقت تساقطت فيه كثير من دول المنطقة العربية في نزاعات أهلية ممتده، مع تصاعد غير مسبوق في نفوذ الجماعات اﻹسلامية الجهادية.

هذه الجماعات تستند إلى عقائد ومرجعيات فكرية، تبلور العنف فيها ليس باﻷساس نتاجاً حتمياً للاستبداد السياسي، أوالتهميش اﻻجتماعي والاقتصادي. إلا أنه ﻻ يمكن فصل استفحال العنف الدائر في مصر، وكثير من بلدان المنطقة عن تفاصيل ومتغيرات المشهد السياسي واﻻجتماعي الذي عظم من خيارات بعض الجماعات لاستخدام العنف، وعزز من قدرتهم التعبوية والتجنيدية خاصة وسط فئة الشباب.

لم تنجح السلطات المصرية في احتواء استمرار واتساع أعمال العنف ضد الدولة في سيناء والقاهرة وباقي محافظات مصر. تحتاج مصر بالفعل إلى حكومة قوية، واستراتيجيات أمنية فعالة وقادرة على إنفاذ القانون، لكن سياسات نظام الحكم الحالي في مصر ﻻ تخدم اﻻستقرار بقدر ما تدفع البلاد ومؤسساتها إلى سقوط منظم، فضلاً عن أن الدولة بأجهزتها اﻷمنية والقضائية واﻹعلامية أصبحت طرفاً في إشعال العنف والتطرف التي تقول أنها تحاربه.

التوظيف السياسي للتنظيمات الجهادية، أو غض الطرف عن أنشطتها في بعض اﻷوقات يمثل تكتيك قديم تتبعه العديد من أنظمة المنطقة لتدعيم مركزها وشرعيتها في السلطة، وابتزاز القوى الدولية للتعاون معها باعتبارها البديل لها. رصد الباحث الفرنسي جون بيير فيليو في كتابة الصادر حديثاً، تحت عنوان "من الدولة العميقة إلى الدولة اﻹسلامية"، كيف أن هذا التكتيك اتبعه بمهارة بشار اﻷسد في سوريا، وعلى عبد الله صالح في اليمن لضرب اﻻنتفاضات الشعبية ضدهم. هذا التكتيك كان حاضراً أيضاً في الثورة المصرية. تعزيز اﻻستقطاب الديني في المجتمع كان هدف قيادات المجلس اﻷعلى للقوات المسلحة في مصر في السنة اﻷولى والثانية عقب سقوط مبارك. فعلى مدار المرحلة اﻻنتقالية التي كانت تحت إدارته تحالف المجلس العسكري مع جماعة اﻹخوان المسلمين، وهمش باقي القوى السياسية والمدنية، بل واستمر في حصارها. وبحسب تحقيق نشر في مدى مصر فإن "الغالبية الساحقة من قرارات الإفراج عن الجهاديين وغيرهم من الإسلاميين صدرت في فترة تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة حكم البلاد بعد تنحي مبارك".

بعد الإطاحة بمرسي وبما يبدو أن الهدف منه إخراج مشهد درامي للمواجهة اللاحقة للدولة مع الإخوان، تساهلت القوى اﻷمنية على مدار شهر ونصف مع انضمام بعض العناصر المسلحة إلى اﻻعتصامات التي نظمتها القوى الإسلامية المناهضة للإطاحة بالرئيس مرسي في القاهرة والجيزة، مع إفشال السلطات الحاكمة للمساعي السلمية التي طرحت من أكثر من طرف محلي ودولي وقتها للخروج من اﻷزمة بشكل سلمي، وعملت على تأجيج المشاعر الشعبية ضد هذه اﻻعتصامات في وسائل اﻹعلام. وتوجه السيسي، الذي كان وزيرا للدفاع وقتها، إلى الشعب لتفويضه لمواجهة العنف المحتمل. كل ذلك كان تمهيداً لمشهد الفض الدموي الذي كان بالتأكيد يعلم عواقبه المخططين له، وبشكل أخص احتمالات أن تكرس هذه المواجهة واسعة النطاق من نفوذ الأجنحة المتشددة والعنيفة في التيارات اﻹسلامية، وإغراق البلاد في دوامات من العنف المتبادل.

توحدت حرب الدولة المصرية ضد الإرهاب مع حرب أخرى شرسه يخوضها الرئيس السيسي لتوطيد سلطة الحكم الجديد، والقضاء على خصومه المحتملين. تبدو هذه الحرب، بحسب الشواهد الحالية، أكثر أهمية للسلطة من مواجهتها للإرهاب والتطرف، بل إن تصاعد العنف المجتمعي الحالي هو بلا شك أحد تداعيات هذه الحرب بعد تأميم كافة منافذ العمل السياسي السلمي، وإنهاك القوى السياسية وتشويهها وخاصة الشبابية منها بما فيها التيارات اﻹسلامية المعتدلة، وتقويض المجتمع المدني. انخرطت الدولة منذ يوليو 2013 في مواجهة دموية مع جماعة اﻹخوان المسلمين ﻹضعاف التنظيم، وإقصائه كلية عن الحياة السياسية لا للعمل على دمج أعضائها في إطار عملية سياسية تعددية ديمقراطية التي كان يتطلع إليها الكثيرون من الذين شاركوا في مظاهرات 30 يونيو ضد المنحى اﻻستبدادي للرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين. النظام الآن يعرف أن الجماعة أمامها الكثير من الوقت لكي تستطيع مره أخرى العودة ﻷي نشاط سياسي منظم، وخاصة أن الحملة اﻷمنية صاحبها حملات دعائية صارخة تربط كل عنف يحدث في مصر بجماعة الإخوان المسلمين.

القوى السياسية الجديدة التي تشكلت في مصر بعد ثورة يناير سواء التي ساندت الجيش في إطاحته بالرئيس مرسي، أو لم تسانده هي اﻷخرى واجهت العصا اﻷمنية الغليظة وكثير من شباب هذه القوى اﻵن في السجون. أقدم النظام على تأجيل اﻻنتخابات البرلمانية حتى يشكل الرئيس نخبته السياسية الداعمة له في البرلمان، مع استمراره في التمتع بصلاحيات كاملة في التشريع والحكم دون أي رقابة. استهدف النظام أيضاً المجتمع المدني وبشكل خاص منظمات حقوق الإنسان عبر تهديد قياداتها بالسجن والقتل أحيانا، وتهديد مؤسساتها بالحل استنادا إلى قانون قمعي يؤمم العمل اﻷهلي. اﻷمر الذي دفع عدد من النشطاء إلى ترك البلاد وتقليص عدد من هذه المنظمات من أنشطتها.

هذه الخطوات في إغلاق المجال العام لا تصب إلا في صالح التطرف والإرهاب. إن أحد أهم مسببات فشل التحولات السياسية لما عرف بدول ثورات "الربيع العربي"، بل واتجاه بعضها إلى الصراعات اﻷهلية نتج عن غياب وضعف القوى السياسية واﻻجتماعية التي تحمل مشروعاً منظماً يتجاوز اﻻنقسامات الدينية والطائفية والقبلية. ما يقوم به النظام المصري الحالي هو عملية أخرى منظمة لتفتيت وإنهاك فرص التعددية السياسية، اﻷمر الذي لا يخدم على المدى البعيد سوى التطرف الديني، ويسجن مصر في ثنائية الاستبداد الديني أو العسكري.

اتسع نطاق جرائم حقوق الإنسان في مصر في ظل مواجهة العنف، أو لتدعيم سلطة النظام الحالي في مواجهة معارضيه. من أخطر هذه الجرائم القتل خارج نطاق القانون والتصفيات الجسدية بشكل لم تعرفه مصر من قبل، وعودة التعذيب المنهجي، وممارسات اﻻختفاء القسري، واﻻعتقالات التعسفية طويلة المدة، وصدور أحكام ضد مئات من المصريين باﻹعدام والسجن المؤبد في محاكمات غير عادلة، الكثير منها له دوافع سياسية. أججت هذه السياسات اﻷمنية من المظالم ضد مؤسسات الدولة اﻷمنية، واﻷخطر ضد المؤسسة القضائية التي تورطت خلال العامين أﻷخيرين في تسيس وانتقائية صارخه، تحولت معهما المحاكم إلى ساحات لتصفية الخصوم خاصة المرتبطين منهم بثورة 25 يناير.

من ناحية أخرى يعزز الخطاب الإسلامي السائد الذي ترعاه دولياً وإقليمياً العديد من حكومات المنطقة، وبشكل أخص المملكة العربية السعودية ومؤسساتها الوهابية والمؤسسات الإسلامية الرسمية في مصر، من نمو التيار الجهادي لا حصاره. هذه الحكومات هي ذاتها التي تقود الآن الحملات الأمنية بالتعاون مع الدول الغربية في مواجهة الإرهاب والتطرف الديني. الرئيس السيسي زعم أكثر من مره في خطاباته، التي يبدو أنه كان يوجها باﻷساس للحصول على دعم الجمهور الغربي، ولتبرير المواجهة اﻷمنية الدموية مع الإخوان المسلمين، أن هدفه إحداث ثورة دينية في مصر بديلا عن تطرف تيارات الإسلام السياسي. لكن المؤشرات الحالية في مصر لا تدل إلا على استمرار الخطاب المحافظ المهيمن على مؤسسات الدولة الدينية والتعليمية واﻹعلانية، والسياسات التي تعزز من العنف والكراهية والتمييز ضد اﻷقليات الدينية، واضطهاد اﻷصوات المطالبة بالتجديد الحقيقي للخطاب الديني .

وأخيراً الدولة تكون أقوى في محاربتها للإرهاب عبر توافق وطني عريض، وولاء للدولة، وثقة في مؤسساتها. لكن الطريقة التي تدار بها مصر اﻵن تفاقم من اﻻنقسامات المجتمعية، ولابد للمجتمع الدولي أن يعي أن القائمين على الدولة المصرية هم أحد مسببات أزمة اﻻستقرار السياسي في مصر لا الحل.