المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى أيت خرواش Headshot

في خيانة الثورة وروح الثورة

تم النشر: تم التحديث:

كان الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك قد وصف ثورات الربيع العربي بأنها ثورات مجردة، فلقد حضرت الثورة وغابت روح الثورة كما يقول، وطبعاً فمفهوم الثورة عند هذا الفيلسوف الهرم لا ينفك يخرج من بوتقة المفهوم الثوري للثورة، بما تحمله من مفاهيم الهدم الشامل للمؤسسات وإعادة بناء النظام.

تحمل هذه الرؤية نقصاً حاداً في رؤية المتغيرات السياسية المعاصرة، خصوصاً فيما يخص علاقة الفرد بالدولة، بطبيعة الفضاء العام الجديد، وبالعوامل الجيوسياسية المتغيرة.

تلتقي هذه الرؤية الراديكالية مع أحداث ما بعد الربيع الربيعي، فلقد فشلت جل الثورات في تحقيق الثورة الشاملة، كما تصوّرها جيجيك، وحتى الدول التي شهدت ثورات سلمية وحراكاً اجتماعياً سلساً كتونس والمغرب، فلم تحدث أي تغيير يذكر، إنها كلها ثورات فارغة من معناها يقول فيلسوفنا.

انتشرت هذه القناعة بشكل واسع لدى النخب الغربية والعربية على السواء، وتحوّلت إلى ما يشبه السردية النمطية التي تعيد إنتاج تاريخ المنطقة العربية بشكل تعسفي، بحيث لا تتيح إمكانية أخذ المسافة الموضوعية بين التحولات السياسية وبين وعي ثوار المنطقة بمصيرهم المستقبلي.

واحدة من هذه السرديات التعسفية تكمن في أطروحة "الخريف العربي"، فبمجرد عودة الأنظمة العربية التقليدية المدعومة من طرف حلفائها الإقليميين إلى لعب دور المدافع المستميت عن شرعيته بسلطة القوة العسكرية حتى بدأت هذه الآلة الاستعمارية في نشر هذه الأطروحة المحشوة بحمولة استبدادية واضحة، إنها تضرب في شرعية الربيع العربي، وتقضي على آماله في تحقيق الحرية وبناء الديمقراطية وتقتل فكرةً في مرحلة التبلور، ونحن نعلم قوة الأفكار المؤسسة لمراحل التحولات السياسية.

تمارس المصطلحات والمفردات التي تنقلها النخب العربية وتكررها بدون وعي، عنفاً رمزياً كبيراً على الوعي العربي المتصارع مع ذاته، ومع الآخر منذ زمن بعيد، فلقد كانت معركة الإنسان العربي منذ فجر مرحلة ما بعد الاستقلال هي في محاولة النهوض السياسي والفكري والاقتصادي، وفشلت جل تجاربه المتكررة باستماتة في تحقيق النهضة المنشودة، واحد من العوامل التي تجعله يرضخ لمشاعر الاستكانة والانهزام هي القناعات الفكرية التي تُصنع في أقبية المخابرات السرية، ومن لدن الآباء المؤسسين للفكر الأيديولوجي الحديث، المفكرين الراديكاليين، الفلاسفة المتحيزين، مراكز الأبحاث المرتجلة وأشباه المثقفين العرب.

يتم الترويج للمفاهيم المقولبة في لحظات التحول السياسي كإحدى التقنيات اللغوية الحساسة التي تلعب دوراً قوياً في قولبة المشهد السياسي وتليين القناعات الفكرية، ثم تزييف الوعي الحقيقي.

هذه العملية تؤدي دورها السياسي فيما بعد عندما تُحارَب المصطلحات والمفاهيم الجديدة كمصطلح "الربيع العربي"، عبر تمييع المفهوم ونقده في انتظار محوه من الذاكرة الجمعية، ومن التداول السياسي والفكري.

وتكمن إحدى الوسائل الأساسية للقيام بهذه المهمة في صياغة مفهوم جديد ومضاد، لكنه يحمل قيمة دلالية سلبية سرعان ما يتم تأكيده ونشره عبر قنوات الترويج المتعددة في الخطاب السياسي والتداول الفكري.

ويعد مصطلح "الخريف العربي" أحد هذه المصطلحات التمويهية التي انتشرت في التداول الفكري والسياسي كتضاد لمصطلح "الربيع العربي"، وارتبط ترويجه بمرحلة عودة الأنظمة المضادة وسقوط حكومات مرحلة الانتقال الديمقراطي في البلدان التي شهدت ثورات الحرية منذ خمس سنوات، بالشكل الذي أصبح فيه هذا المصطلح يرادف فكرة ضعف واضمحلال فكرة الربيع العربي، وبالتالي يضرب في العمق إمكانية الانتقال الديمقراطي في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ بل يتعداه إلى محاولته طمس هوية المرحلة الحقيقية التي تعيشها المنطقة، إنها مرحلة القطيعة مع الاستبداد والأنظمة العسكرية العربية، هكذا يجب توصيف المرحلة عوض قولبة الوصف عبر الترويج لمصطلح بديل ومؤدلج.

لقد بدأت مرحلة جديدة في الوطن العربي وحقبة سياسية جنينية، بدأت باللحظة البوعزيزية وثورة تونس، وهي مستمرة في التبلور والبناء، رغم تعثر بعض تجارب المنطقة في الانتقال للديمقراطية بحكم قوة الثورة، وحضور الأنظمة الإقليمية والدولية في المشهد الجديد، هكذا هي السردية الحقيقية التي يجب أن تُتبنى ويدافع عنها في التداول الثقافي والفكري، عوض التضخيم من سردية الخريف العربي، واعتبارها نقطة النهاية للحظة في فترة التبلور.

كان المستعمر الأوروبي في دول المغرب والشرق الأوسط يحارب أية إمكانية لتجييش مشاعر المواطنين للمقاومة ضد المحتل، وكان يمارس جميع الوسائل الممكنة لمنع الثوار والمقاومين من الترويج للأفكار التحريضية على المحتل في جميع الأمكنة والفضاءات العمومية.

وكان المقاومون واعين بقوة وضع وترويج الأفكار المناوئة للمستعمر؛ لذلك كانت إحدى وسائل الضغط على هذا الوتر هي في اختيار المصطلحات والمفردات التي تحمل قوة دلالية مقاومة، ويتم الترويج لها عبر توزيع المنشورات في الأزقة والممرات والأحياء، بما يتيح إمكانية التواصل مع المواطنين، وبالتالي الاستمرار في تقوية القناعة الجمعية بضرورة التحرر وعدم الاستسلام للسردية الاستعمارية؛ لذلك كان المستعمر يخاف أشد الخوف من الترويج للشعارات والأفكار الثورية، ويضيّق الخناق على مختلف القنوات التي توفر للمقاومين التحرك على هذا النحو.

ينتقل الصراع في هذا المستوى إلى صراع على اللفظ والفكرة الدالة، إنها الحرب الأكثر قوة في مراحل التحرر من الاستبداد والاستعمار المباشر وغير المباشر.

يلتقي إصرار بعض المثقفين العرب على الإيمان بمصطلح "الخريف العربي"، مقابل شكهم ونقدهم لمصطلح "الربيع العربي"، مع موقفهم من ثورات الحرية عندما انطلقت في بداياتها الأولى.

كان المثقف العربي في هذه اللحظة غارقاً في يوتوبيا الثورة الحمراء؛ بل كان بعضهم يقف جنباً إلى جنب مع الأنظمة الاستبدادية العربية التي اعتبرها أنظمة قومية ووطنية، مع حقده على تيارات أيديولوجية يعتبرها تغريبية أو رجعية؛ بل ودعمه لعمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبتها تلك الأنظمة في حق هذه التيارات السياسية المعارضة.

لقد وُصفت ثورات الحرية الربيعية بأبشع النعوت، ولم تتصور النخبة العربية التحولات الاجتماعية والثقافية التي أفرزت هذه الثورات؛ بل وقفت ضدها واعتبرتها غير نابعة من قناعة سياسية واضحة، وبكونها مدعومة من جهات خارجية لها مصلحة في زحزحة الأوضاع السياسية.

كان هذا الموقف يخفي استبداداً فكرياً على النخب الشابة الجديدة التي تشربت من حيز الحرية التي توفرها الفضاءات المعلوماتية الحديثة.

تتعدد أوجه الخيانة التي ترتكبها النخب بحق الشعوب، وإحدى هذه الخيانات تكمن في تمويه وتمييع وصف روح اللحظة التي تعيشها هذه الشعوب في لحظات التحول السياسي.

إن إصلاح الأضرار التي تسببها النخب عندما تسيء إلى رغبة الشعوب في التحرر والانعتاق من سلطة الاستبداد لهي مكلفة جداً؛ لأنها تخدم القوى المضادة للتغيير وتساعدها على نفي وطمس فكرة التحرر؛ بل تؤدي إلى إزهاق الأرواح البريئة، وهذا أسوأ السيناريوهات.

إن هؤلاء يخونون أرواح الشهداء والمرابطين في معارك التحرر والمنتَشلين في الأنقاض والرافعين لشارة النصر باستماتة رغم المصاعب، هذه هي روح الربيع العربي المستمرة التي ستبني مجتمعات الحرية مستقبلاً ولو طال الزمن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.