المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى أيت خرواش Headshot

الإسلاميون ما بعد ارتدادات الربيع العربي

تم النشر: تم التحديث:

نظّم مركز الجزيرة للدراسات في دولة قطر مؤخراً مؤتمر التحولات في الحركات الإسلامية ما بعد الربيع العربي، الذي ضمّ نخبة من القوى السياسية الإسلامية والباحثين والأكاديميين من مختلف البلدان والجامعات والمراكز البحثية، في خطوة لمساءلة الإسلام السياسي في رؤاه ومواقفه وتكتلاته ما بعد التحولات السياسية التي عرفتها جل البلدان العربية التي شهدت ثورات وحراكات شعبية.

ومهما كانت طبيعة الأسئلة المطروحة اليوم على الحركات الإسلامية، سواء التي تعرضت للاستئصال والعنف والنفي من طرف الأنظمة التقليدية (نموذج مصر وسوريا واليمن)، أو تلك التي تمكّنت من لعب دور سياسي قوي داخل دواليب السلطة (نموذج المغرب وتونس)، فإن تقييم ودراسة كل تجربة يستوجب حياداً ذاتياً وموضوعياً ينظر إلى كل تجربة في خصوصياتها السياسية والاجتماعية والثقافية.

لقد كانت تجارب الإسلام السياسي عموماً إبان ثورات الربيع العربي مختلفة تماماً بالنظر لطبيعة المواقف السياسية لهذه الحركات من الأنظمة السياسية التقليدية، ولدرجة تعايشها مع هذه الأنظمة، ولطبيعة علاقة النظام القائم مع القوى الإقليمية والدولية، ثم بالنظر أيضاً لدرجة قوة الثورة وارتداداتها السياسية والاقتصادية، لكن الملاحظ عموماً أن قوة الإسلام السياسي ترتكز بالأساس في قدرته على التأقلم مع الأوضاع المتغيرة، وفي تمكنه من تغيير المواقف والرؤى وحتى القناعات في بعض الأحيان، ما يجعلها توصف بالحركات البراغماتية بامتياز، طبعاً مع وجود فوارق واستثناءات.

فالحركات الإسلامية قد تتحالف مع أنظمة عسكرية في مراحل ترى فيها ضرورة سياسية من أجل إرضاء هذه القوى في لحظات انتقالية، وقد تتحالف أو تتقرب من قوى دينية راديكالية في مراحل التحشيد الأيديولوجي ضد التيارات "الحداثية"، وقد تتحالف أيضاً مع أيديولوجيات يسارية في مراحل التكتل ضد الأنظمة المضادة، كما أن لها قدرة على التنازل على جزء من سلطتها السياسية من أجل إحداث توافق سياسي مرحلي وهي حالات نادرة جداً.

اقتصادياً، قد تنتهج سياسية اقتصادية قريبة من اليسار في تأميم القطاعات والمؤسسات وتقوية القطاع العام على حساب القطاع الخاص وغيرها، كما أنها قد تتبع سياسية اقتصادية ليبرالية في تحريرها للقطاعات الاقتصادية والانفتاح على الشركات متعددة الجنسيات وغيرها، هذه التوليفة المتعددة التي قد تنهجها الأحزاب الإسلامية وهي تمارس السلطة أو تعارضها تجعل من الصعوبة تحديد توجهها السياسي بشكل دقيق، هل هي قوى يسارية يمينية، أو قوى ليبرالية محافظة أو قوى نيوليبرالية اجتماعية؟ هنا بالذات تكمن قوة وضعف الحركات الإسلامية على نفس القدر.

لكن وبالنظر لهذا التلوّن السياسي، فإن نواقص الحركات الإسلامية، خصوصاً في تجارب الانتقال الديمقراطية المجهَضة تتمثل في انفرادها الأيديولوجي الحاد، خصوصاً في لحظة الانتشاء بالتفوق الانتخابي على الأحزاب التقليدية والأيديولوجيات المعارضة، لقد كان هذا التوجه أحد العوامل الرئيسية في إفشال كثير التجارب السياسية إبان ثورات الربيع العربي، ربما لذلك استفادت تجارب إسلامية أخرى من هذا الموقف وحاولت تكوين قوة مدنية متعددة المشارب من أجل الحفاظ أو بناء أسس الممارسة السياسية ديمقراطياً، أي بتأسيس قواعد الممارسة السياسية دستورياً وقانونياً بحيث يؤدي إلى تكوين مؤسسات شفافة قادرة على حماية ممارسة الديمقراطية فيما بعد على أسس التنافس على السياسات، بمعنى أن الوعي بهشاشة المؤسسات السياسية والدستورية العربية يفضي إلى ضرورة التكتل المدني والسياسي المتعدد من أجل إحداث توافق عابر للأيديولوجيا بهدف إنجاح الانتقال الديمقراطي بسلاسة بعيداً عن الصراع الأيديولوجي حيث ضمانات إنجاحه غير متوافرة.

إن أحد الأسباب التي جعلت الصراع يحتدم بين السلطة العربية التقليدية وبين أحزاب الإسلام السياسي فيما يعرف بالثورات المضادة، هو في طبيعة تقدير هذه الأيديولوجية الجديدة المسمات بـ"الحركات الإسلامية"، فالأنظمة التقليدية ترى فيها أيديولوجية إقليمية عابرة للأوطان، ولها أجندات موحدة وتمثل خطراً على استمرار الأنظمة التقليدية وحلفائها المتعددين. في نفس الوقت الذي ترى فيه الأحزاب الإسلامية هذه الأنظمة بكونها أنظمة استبدادية تسلطية لا تخدم مسار إحداث ديمقراطية فتية، وبالتالي فإزاحتها أو إضعافها هو الطريق الوحيد لانتقال ديمقراطي حقيقي مع استبعاد أطروحة "دَمَقرطة" هذه الأنظمة التقليدية، ولقد ساعدت قوى إقليمية ودولية على إنجاح هذا الشرخ التقديري على اعتبار خدمته لمصالح استراتيجية واضحة المعالم.

لكن تطلعات الشعوب التواقة للحرية والديمقراطية اليوم تفرض بالضرورة الملحة إحداث مصالحة مع الذات أولاً ثم مع الآخر، مصالحة مع الذات بضرورة مراجعة المواقف السياسية الحادة من الأيديولوجيات المعارضة وتحديث المواقف الفكرية والمبدئية من كثير القضايا المجتمعية الملحة كموقفها من الحريات الفردية والتعددية والتسامح والعلمانية وغيرها، ثم مصالحة مع الآخر بضرورة تقديم التنازلات وتليين المواقف وتقدير التوازنات السياسية، بما يخدم تحقيق تطلعات المجتمعات العربية في العيش الكريم والحرية والديمقراطية وتفادياً للصراع السياسي والحروب الأهلية، وانتشار العنف، وهي الكوارث التي تؤجل تحقيق تطلعات الشعوب عقوداً من الزمن، وتجعل تكلفة مجرد إعادة الاستقرار الأمني باهظة جداً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.