المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى أيت خرواش Headshot

بين الفعل والتنظير داخل الإنسانيات المعاصرة

تم النشر: تم التحديث:

هنالك جدل حاد بين الفعل الاجتماعي، بما هو النظر للوقائع من منظورها المادي والسياسي، وبين فعل التنظير، بما هو التقعيد الفكري لتلك الوقائع الاجتماعية في صورتها الأولى.

وتظهر هذه الجدلية الحادة بالخصوص داخل مجال الإنسانيات المعاصرة أو الجديدة حسب اختلاف التعابير، ولحل هذا الجدل الظاهر أنه فلسفي ومعرفي، تحاول المعارف الإنسانية تفعيل التنظير "الموضوعي" أحياناً، أو التنظير الأيديولوجي أحياناً أخرى، أو التنظير التخصصي في أحايين أخرى.

تبدأ الإشكالية عندما ندرس تغيّر مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، ونقف على حقيقة أن هذه المناهج إنما هي في الحقيقة انعكاس للفعل الإنساني في فضاءاته المتجددة والمعاصرة؛ ذلك أن هذه المناهج والعلوم تغّيرت وأنتجت مناهج وتخصصات معرفية طبقاً لتغيّر ظروف عيش الإنسان المعاصر.

ففي الحقبة الزراعية ما قبل الصناعية، كانت العلوم تحاكي نماذج الإنتاج الزراعي وتأثيراته على حركة الأفراد والجماعات، مثلما حدث مع دخول هذه المجتمعات لحقبة الدول الصناعية فما بعد الصناعية والعولمة وما بعدها.

وفي عصر العولمة، اختفت سيادة الدول لصالح سيادة المجتمعات، وواجهت المجتمعات بعضها البعض في سوق مفتوحة أشبه ما تكون بحلبة للصراع، وأحياناً أخرى للاختلاف أو التماهي.

أنتجت هذه الحالة ظهور علوم اجتماعية جديدة تحاول أن تفسر حالة المجتمعات المفتوحة، أو تؤسس لنماذج التجانس المعرفي، أو التضاد، أو التماهي في وضع كوكبي.

في حالة تفسير ما هو كائن، تقول علوم التاريخ إنها الأجدر على تفسير وتحليل الوضع الإنساني الحالي، فارتهنت للتحليل التاريخي، لكن الوضع العولمي الجديد جعل علم التاريخ يطور مناهجه من التاريخ التقليدي إلى الحوليات إلى التاريخ الجديد.

تماماً كما وقع مع اللسانيات والفيلولوجيا المعاصرة، ومع الأنثروبولوجيا والفلسفة والآداب المعاصرة وعلم النفس الجديد والجغرافيا وغيرها من العلوم.

وفي حالة التنظير لما سيكون، تقول مجمل هذه العلوم إن التنظير المعرفي يمثل ضرورة ملحّة في تدارك سلبيات الفعل الاجتماعي، وفي تصحيح مساره، ثم في رسم معالم فعل اجتماعي أكثر عقلانية.

لكن الفعل الاجتماعي دائماً ما يكون صاحب مبادرة التغيير السياسي والمعرفي تباعاً؛ لنأخذ مثال الثورات السياسية، ففعل الثورة بما هي فعل اجتماعي وسياسي تنتج أنماط التفكير المعرفي الجديدة، أو ما يسميه توماس كون بـ"التغيير البراديغمي"، بما هو الفعل المادي الاستباقي المباشر وتأثيراته المعرفية على أنماط التفكير والاستدلال المعرفي.

لكن تتعرض هذه الأطروحة للنسف بإعمال تاريخ الأفكار؛ فالثورات السياسية في أوروبا القرن التاسع عشر، لم تنتج هذا التغيير البراديغمي بل تأثرت بإنتاجات الفعل التنظيري لمفكري الأنوار، لكن من دون أن تُفعِّل نفس براديغم التفكير الفلسفي.

وهنا كان السؤال المطروح في محله: هل تمثل إخفاقات الاجتماع السياسي الحداثي إخفاقات العقل الأوروبي نفسه كما طرح فلاسفة مدرسة فرانكفورت؟

ربما يجرنا السؤال إلى إشكالية إمبريالية الفضاء، وصراع العوالم ذات الأبعاد التاريخية والثقافية المختلفة. فإذا كان العقل الهيغلي يأخذ مساراً تقدمياً بالضرورة نحو تكوين فضاء المثالية الألمانية، فإنه يكون بالمقابل قد فعَّل عقيدة التميز العقلاني للفضاء الألماني بما هو أصل العلوم والمعارف.

تذهب باسكال كازانوفا بالمقابل، إلى أن تطور الأدب العالمي، بما هو صراع الفضاءات المتعددة، رافق في الحقيقة تطور الدول الإمبريالية (فرنسا في حالتها) واكتسابها للشرعية التاريخية جراء تفوقها الإمبريالي واكتسابها صفة القوة العظمى؛ لذلك كانت باريس ليست فقط مركزاً إمبريالياً عالمياً، ولكنها كانت أيضاً فضاء أدبياً رئيسياً داخل فضاءات العالم المتعددة.

يعكس صراع الفضاءات هذه صراعاً مماثلاً يتجسد داخل الإنسانيات؛ فإذا كانت الأطروحات العابرة للتخصصات تقول بضرورة تداخل التخصصات وانفتاح بعضها على بعض، فلأنها تعبر عن صوت ما بعد حداثي يريد أن يمحو الاختلافات والتمايزات والهويات الجزئية داخل كل فضاء ثقافي وفلسفي معين.

هذا التخوف من اندثار الفضاءات الخصوصية لم تشعر به الفضاءات الإمبريالية القوية داخل السوق المفتوحة هذه، ولكنه نابع من لدن الفضاءات المحلية التي تعاني الإقصاء والتهميش.

يدخل مشروع دريدا التفكيكي ضمن محاولة فتح مجالات فضائية أكثر مساواة، فهو وإن نظّر لأطروحة الصداقة والضيافة لكنه بالموازاة غيّر تراتبية الفضاءات الموروثة لدى العقل الغربي والظاهرة في مشاريعه منذ أرسطو حتى هايدغر.

فالإحساس بالوجود بما هو مركز التفكير المعرفي وحوله تدور باقي الموجودات، شكّل اللاهوت المعرفي الذي قامت عليها حضارة أوروبا.

لكن ما قام به هايدغر هو تفكيك هذا الوجود بأن أعاد ترتيب مقوماته الأساسية التي يقوم عليها؛ فكان عمله البارز "في الغراماتولوجيا" أو في علم الكتابة، عملاً نقدياً وفلسفياً في أولية المكتوب على المقروء بما هو فعل واعٍ بذاته، وليس كما تقول الذات الغربية بأولية الصوت الشفوي على فعل الكتابة الجاف.

وأهميته تكمن في أنه نسف كل المسبقات الصوتية التي كانت تموه المكتوب وتعتبره مجرد أداة تابعة للتفكير الشفوي، ولذلك كانت مشاريع التنظير المعرفي الغربي لا تخرج من هذا الإطار الوجودي؛ ففي التنظير لنظرية العدالة مثلاً، ينطلق جون راولز من الموضعة الأوروبية التي تعتبر الإنصاف هي القيمة الجوهرية لتحقيق العدالة، في حين يرى أمارتيا سن أن هذا التفكير لا يراعي باقي المواضعات والفضاءات الثقافية المختلفة وبأن نفس الإشكال ما زال مستمراً منذ أرسطو إلى راولز، وهو النظر للوجود الذاتي بما هو وجود عالمي.

لتدارك هذه الإشكالات، تطرح الإنسانيات النقدية الجديدة إمكانات جديدة للتفكير الأنسني خارج النسقية المركزية واشتراطاتها؛ وربما كانت الفيلولوجيا كما نظّر لها إدوارد سعيد، أو الترجمة هما مجالا التنظير لتجاوز التحيزات المعرفية.

ويندرج مشروع "باربرة كسان" وآخرون من فلاسفة الترجمة من خلال مشروع المعجم الفلسفي للامترجم ضمن رد الاعتبار للشعريات الفلسفية الخاصة بكل فضاء معين، بالشكل الذي يعاد قراءة هذه الاختلافات باعتبارها فضاءات كونية لها نسقها المعرفي الذاتي ولها خصوصيتها غير القابلة للذوبان في مشاريع الكوننة الإمبريالية.

ومن ذلك يندرج مصطلح "العالمية" عند سعيد، أو "الكونية" عند سبيفاك بما هي عوالم جديدة تتجاوز إشكالية المحلي والعالمي أو الجزئي والكلي، إلى فضاء عالمي يعترف بتعدد الفضاءات بما هي عوالم منتجة ومفكرة وفاعلة في الإنتاج المعرفي الكوني.

لكن الصراع على تحقيق هذا المبغى لم يكتمل بعد، فالأيديولوجيات ما زالت تتخذ طريقها نحو حل هذه الإشكاليات، بل ما زالت تتصارع لتثبيت رأيها المتعارض فيما بينها.

فالنظرة الأنسنية الليبرالية ترى في تداخل الفضاءات والعوالم شيئاً إيجابياً في ظل عالم كوني مفتوح وتنافسي يسعى لتحقيق الرفاه الإنساني، في حين ترى الأنسنية المحافظة أن احترام الحواجز المعرفية والحدود الثقافية ضرورة ملحّة للحفاظ على فضاء التعدد والاختلاف غير القابل للتدجين والتنميط.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.