المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 مصطفى عزب Headshot

في مصر...حين يكون القتل قانوناً ثابتاً ودائماً

تم النشر: تم التحديث:

في مصر حيث تتنامى ظاهرة إهدار قيمة الإنسان وإعلاء قيمة السلطة المتمثلة في رموز النظام الحاكم السالب للسلطة بشكل غير شرعي في أعقاب انقلاب عسكري دموي، وحيث يجري دمج مفهوم الوطن والانتماء في الوعي الجمعي للجماهير من القيمة الفطرية الأخلاقية السامية المرتبطة بالتعلق بالأرض والشعب واللغة واللكنة والهواء وأمور أخرى غير ماديةـ إلى مفهوم أن الوطن هو النظام ومن خالفه فقد خان الوطن الأرض والعرض.

قديما كان هناك شعار شهير (مبارك مصر ومصر مبارك) والآن تعود الأمور لأسوأ مما كانت عليه وقتها، مبارك لم يسفك هذا القدر من دماء رافضيه، بينما هذا النظام فعل وسط تهليل واحتفاء من المواطنين الشرفاء (بالمعنى الحديث للوطنية).

لا تكاد إذا وجدت حدثاً ناتجاً عن خطأ النظام بشكل مباشر إلا والتهمة الحاضرة منصبة بشكل مباشر على المعارضة، بما يحقق مكسباً سياسياً إعلامياً على الأقل لصالح النظام حتى وإن تم تجاهل الحدث وآثاره بعد ساعات، وهكذا بمراقبة كل الكوارث التي حدثت في مصر تتبعها مباشرة قرارات لا تمت لها بصلة لكنها تقلص من تواجد المعارضة أو تشيطنهم، وفي المقابل تثبت النظام على الكرسي المسلوب وتسوق لقناعة سقوط النظام تعني سقوط الوطن.

هذا الواقع حول مصر إلى أرض منكوبة، حالة حقوق الإنسان فيها منهارة، لا موضع قدم فيها لمعارض حقيقي يفكر ويتحرك بوسائل مشروعة ضمن إطار حرية الرأي والتعبير لرفض النظام أو سياساته، بل دائماً ما يدفع المعارضون ثمن فشل النظام الواضح دون لبس حتى مع انعدام صلتهم بهذا الفشل.

النائب العام قُتل في تفجير إرهابي فشل الأمن المصري في منعه أو تحديد مرتكبه حتى اللحظة بدليل مادي واحد.

لكنه منذ اللحظات الأولى صب اللعنات على الخصم القديم الثابت (معارضي الانقلاب، ومنهم الإخوان المسلمين المحكوم عليهم بالإعدام وعلى رأسهم الرئيس السابق محمد مرسي) وفي طرح هزلي حمّل رموزه خلف أبواب السجن الانفرادي شديد الحراسة الممنوعة عنه الزيارة مسؤولية الإرهاب المتصاعد الذي يضرب مصر بين الحين والآخر.

النظام لم يبحث عن مرتكب الجريمة هذه أو غيرها، لم يحاسب وزيراً أو مسؤولاً أو فرد أمن واحد عن إهمال وتقصير جسيم أدى إلى اغتيال أعلى رأس قضائي في سلك النيابة العامة.
لكن وفيما بدا أنه رد فعل لإرضاء الجماهير المتعطشة للدماء استمرت ماكينة أحكام الإعدام الجماعية في العمل، انتهجت السلطة القتل المباشر لقيادات معارضة وقامت بتصفيتهم واختلاق روايات واهية حول وقائع مقتلهم في اشتباكات مسلحة ثبت كذبها صراحة لدى عشرات العاملين في المجال القانوني والحقوقي، قامت بالاستعداد لسن قوانين جديدة تشرعن انتهاك وقمع حقوق الإنسان ليتحول إلى عمل قانوني قد يستحق مرتكبه المكافأة على التزامه بالقانون.

في 24 ساعة فقط أقرت الحكومة المصرية مجتمعة قانون الإرهاب الذي يشرعن القتل وتعريض الأشخاص إلى الاختفاء القسري، والإخلال بالحقوق الدنيا للمحاكمات العادلة تمهيدا لتنفيذ مئات الأحكام بالإعدام على المعارضين وفق تصريحات مسؤولين رسميين بالدولة على رأسهم السيسي ووزير عدله الزند.

النظام لا يريد فقط أن يتخلص من معارضيه بالقتل فيستقر حكمه، لكنه يريد أن يجعل القتل قانوناً ثابتاً ودائماً، ومعارضة ذلك أو محاولة تعطيله معارضة للقانون ومن ثم خيانة عظمى قد تكون عقوبتها الإعدام.

معنى وقيمة الدولة في طريقها للانهيار إن كان هناك بقية باقية على استحياء منها هنا أو هناك، طالما استمر هذا النظام.

هذا لن يصب بالتأكيد إلا في إزكاء العنف والروح الثأرية القبلية داخل مصر وهو هدف غالباً يقصده النظام، أن يحول الرغبة في التحرر والبناء إلى الرغبة في الانتقام والثأر، وأن يدفع الجماهير إلى المساحة التي لا يُحسن غيرها، القتل وسفك الدماء، ويبعدها قدر الإمكان عن الفكر والمبادئ الأخلاقية.

المجتمع الدولي ليس أعمى بالتأكيد لكنه يتعامى، ويملك من الأدوات ما يمكنه بشكل حاسم كبح جموح النظام المصري في الجرائم ضد المعارضين لكنه لا يستخدمها، وهكذا تعامل الغرب مع القضايا الأخلاقية إذا ما تعلقت بأمور قد تضر مصالحه ولو قليلاً، لا مانع من أن يقتل النظام المصري ويعتقل ويعدم من المعارضين حتى يشبع ويتوقف وحده، وأدوات الشجب والإدانة وإبداء القلق قد تكون كافية كمخدر أخلاقي لتلك المجتمعات.

لكن الشعوب تعي، وتفهم، وتتذكر، والكفر بالعدالة العالمية وانسداد أفق الانتصاف القانوني يحول بعض الضحايا إلى قنابل موقوتة، والنار التي تسعى لإشعالها الأنظمة الدكتاتورية في ظل التعامي الدولي لن يسلم منها أحد، لكن يبدو أنه لا أحد يتعلم من دروس الماضي، أو ربما لا أحد يكترث.