المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى الحسناوي  Headshot

داعش التي تختبئ فينا

تم النشر: تم التحديث:

هل تكون الحملة التي أطلقتها داعش، يوم 9 فبراير/شباط الحالي، لتكفير وقتل مشايخ ودعاة وعلماء العالم الإسلامي، الرسميين وغير الرسميين، وجعلت لها وسماً: "فقاتلوا أئمة الكفر"، وساهمت فيها مؤسساتها الرسمية والمؤسسات شبه الرسمية ومؤسسات الأنصار وحساباتهم الشخصية، (ولاية نينوى، ولاية الخير، إذاعة البيان، مؤسسة البتار، مؤسسة الوعد، مؤسسة اليقين، مؤسسة الوفاء، مؤسسة أشهاد...) بعشرات الإصدارات، تنوعت بين الإصدار المرئي، والبرنامج الإذاعي، والنشيد المرئي والصوتي، والفتوى والكتاب والمجلة والرسالة والمقالة والقصيدة والصورة والملصق والمطوية.

انتشرت في غضون ثلاثة أيام فقط، وتم الإعداد لها منذ بداية الأسبوع الثاني من شهر يناير/كانون الثاني؛ لتنطلق مع بداية الأسبوع الثاني من شهر فبراير/شباط، هل تكون هذه الإصدارات وغيرها فرصة ليتوقف هؤلاء الدعاة والعلماء والمشايخ المستهدفون مع فقهنا لغربلته؟ وتراثنا لتنقيته؟ وتاريخنا لمساءلته؟

لقد تابعت كل الإصدارات بتأنٍّ وتمعن وتدقيق وتفحص، فلم أجد التنظيم يستدل من كتب الملاحدة أو النصارى أو الصهاينة، ولا من مصادر الخوارج أو الشيعة، (كما يتهمه بعض هؤلاء المشايخ الذين استهدفهم التنظيم، وغيرها من التهم، التي لا تستقيم، بل تضعف موقف قائلها، وتظهره بمظهر العاجز عن الخوض بعمق في الموضوع)، وإنما من مصادر أهل السنة المعتمدة، وخصوصاً بعض المصادر السلفية النجدية، فإما أن تكون هذه المصادر فيها ما فيها من الأخطاء والانحرافات والانزلاقات، وحينها وجب الاعتراف بذلك وتصحيحه؛ لئلا تقع الأجيال المقبلة فيما وقعنا فيه، أو يكون التنظيم على صواب، وحينها وجب موافقته ومتابعته.

في سلسلة تدوينات لي كتبت أن تنظيم داعش ليس منظمة عميلة صهيونية أو صفوية، إنه امتداد لتاريخ ضارب في العمق، تاريخ من الصراعات السياسية، لا أحد يريد الحديث عنها.

وقلت في تلك التدوينات إن التنظيم لم يأتِ بشيء جديد، حتى اتهمني البعض بأنني داعشي، واتهمني آخرون بالتشيع، حين علقت على بعض أحداث تاريخنا السياسي واقتتال الصحابة، محاولاً الربط بين ما وقع حينها، وما يقع في أيامنا، من تمثلات واستيهامات وتنزيلات لصور انطبعت في ذاكرتنا، لكن تهم التدعشن أو التشيع كانت تحول في كل مرة، دون إتمام قراءتي للأحداث، وما تلك التهم إلا للتفلت من مناقشة الموضوع في صلبه وأساسه، ووضع الإصبع على مكمن الداء فيه دون هروب أو مواربة.

في الإصدار المرئي لمؤسسة البتار، "أوار الانتقام" يفتتح الفيديو بمقتطف من كتاب كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب، الذي أعادت طباعته مكتبة الهمة، وهي دار نشر تابعة للتنظيم، المقتطف هو تقديم من هذه الدار يقول إن الدولة الإسلامية هي امتداد لدعوة محمد بن عبد الوهاب، والدارس لتلك الحقبة التي ظهرت فيها الدولة السعودية الأولى، لن يجد اختلافاً أو فرقاً كبيراً بين ما حدث حينها، وما يحدث الآن، سواء في الجوانب السياسية والعسكرية، وبالأخص في الجوانب العقدية، وشدة تلك الدعوة على الأعداء والخصوم وحتى المخالفين لها من المسلمين.

وكحال أي دعوة في كل زمان ومكان، لا بد أن يكون لها خصوم وأعداء، فقد استعرض التنظيم حال دعوات غابرة وعلماء قدماء، جعلهم مراجع له، وتحدث عن أعدائهم الذين وصفهم بعلماء الشرك والضلال، فذكر الإمام أحمد وجعل مقابله العالم أحمد بن أبي دؤاد، وذكر ابن تيمية وجعل مقابله البكري، وذكر محمد بن عبد الوهاب وجعل مقابله ابن سحيم وابن فيروز، وختم بعلماء الدعوة النجدية أحفاد محمد بن عبد الوهاب، وجعل مقابلهم ابن جرجيس، ثم تسلم التنظيم المشعل من علماء الدعوة النجدية، وصنف نفسه امتداداً لمن ذكر، واختار من كل دعاة العصر وعلمائه ومشايخه أعداء له، داعياً لقتلهم وتصفيتهم، باعتبارهم "شركاء في الحرب الصليبية".

فقد جاء في أحد تلك الإصدارات: "إن قتلهم أحب إلينا من قتل المباحث والمخابرات"، وجاء في إصدار آخر: "إننا الآن ننادي أولئك الذين حاولوا الهجرة إلى دار الإسلام ولم يستطيعوا، نقول لهم: إذ أنتم، اقتلوهم حيث ثقفتموهم".

لقد استدل التنظيم في إصداراته بأحداث من التاريخ، كقتل الجعد بن درهم، والخلافات بين بعض العلماء والأئمة من المحسوبين على أهل السنة، والمحسوبين على طوائف أخرى، واعتبار التحريض على قتل علماء الضلال سُنة ثابتة قام بها علماء السلف، وهي من الجهاد العظيم في سبيل الله، كتحريض يزيد بن هارون على قتل بشر المريسي، حين قال: "لقد حرضت أهل بغداد على قتله جهدي".

وقول الإمام عبد الرحمن بن مهدي: "لو رأيت رجلاً على الجسر وبيدي سيف، يقول القرآن مخلوق لضربت عنقه".

غير أن ما يلفت النظر هو استدلال التنظيم في الإصدارات المذكورة بأقوال علماء الدعوة النجدية المبثوثة في دستور التنظيم "الدرر السنية"، بشكل كبير ولافت، يكاد يستحوذ على تلك الإصدارات، ومن تلك الاستدلالات:

قول حمد بن عتيق النجدي: "فإن اعترف بالحق، وببطلان ما عليه أهل البدع من الاتحادية وغيرهم فهو المطلوب والحمد لله، وإن لم يفعل وجب هجره ومفارقته إن لم يتيسر قتله، وإلقاؤه على مزبلة، لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الإِسلام" الدرر السنية (3/348).

وقول آخر له: "فيا عباد الله أين عقولكم؟ فإن النزاع بيننا وبين هؤلاء ليس هو في الصلاة وإنما هو في تقرير التوحيد والأمر به وتقبيح الشرك والنهي عنه والتصريح بذلك" الدرر السنية (9/256).

وقول سليمان بن سحمان: "المستمسك بالعروة الوثقى هو الذي يكفر بالطاغوت وقدم الكفر به على الإيمان بالله؛ لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله وهو لا يجتنب الطاغوت وتكون دعواه كاذبة" الدرر السنية (10/502).

وقول محمد بن عبد الوهاب: "فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان" الدرر السنية (1/88).
وقوله عن ابن فيروز وكان عالماً مخالفاً له في وقته: "والعبارة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح بن عبد الله، وأمثالهما كفراً واضحاً ينقل عن الملة فضلاً عن غيرهما".

وقوله عن ابن سحيم: "والله الذي لا إله إلا هو، لو يعرف الناس الأمر على وجهه، لأفتيت بحل دم ابن سحيم وأمثاله، ووجوب قتلهم كما أجمع على ذلك أهل العلم كلهم، لا أجد في نفسي حرجاً".

وقوله عن عبد الله بن مويس وكان عالماً قاضياً: "أقطع أن كفر من عبد قبة أبي طالب، لا يبلغ عشر كفر المويس وأمثاله".
وقول عبد اللطيف عبد الرحمن آل الشيخ: "والمرء قد يكره الشرك ويحب التوحيد لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم، فيكون متبعاً لهواه داخلاً في الشرك" الدرر السنية (8/396).

وقول سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "اعلم -رحمك الله- أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم، خوفاً منهم ومداراة لهم ومداهنة لدفع شرهم، فإنه يكفر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام وأهله...".

فهل آن الأوان من أولئك الدعاة والمشايخ أن يتأملوا قليلاً في مراجع داعش وخطاباتها؛ لتحليلها وتفكيكها، والخروج بالخلاصات اللازمة، خصوصاً أن الأمر لم يعد دعوة محصورة هنا أو تدوينة مغمورة هناك، إنها حملة جادة شاملة للتكفير والتصفية، بتأصيلات من مراجع معتمدة فقهية وعقدية وأحداث تاريخية؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.