المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى أبوضيف Headshot

لعنة الأحزمة الخضراء

تم النشر: تم التحديث:

تعتبر مدينة لندن من أغلى الأسواق العقارية في العالم، السبب في ذلك هو خليط من عدة أشياء:

فمسألة أن لندن مدينة فريدة مسألة صحيحة لا جدال فيها، وأنها مكان أفضل لأن توجد به الشقق السكنية، أو حتى المباني الإدارية على نحو يفوق أماكن أخرى، وترجع أسعار الإيجارات المرتفعة إلى ذلك السبب بقدر ما، ولكن السبب الجوهري في أن العقارات في لندن باهظة الثمن هو "الحزام الأخضر".

فلندن يطوقها الحزام الأخضر الأصلي الذي أنشئ في الثلاثينات من القرن العشرين، والذي بسببه مُنعت أي توسعات في مدينة لندن، ويتم الإحلال والتجديد في الرقعة المسكونة؛ فالسبب في غلاء تأجير أو شراء الممتلكات العقارية في لندن لا يرجع إلى أنها أفضل بكثير من البدائل الأخرى، وإنما يرجع إلى أن تلك البدائل أصبحت ممنوعة بأمر القانون.

هذا بالطبع ليس قدحاً في فكرة الحزام الأخضر، فله فوائد جمة، وأهمها الحفاظ على البيئة، ولكن عندما نقوم بتقييم مزايا ومساوئ إصدار تشريع مثل تشريع الحزام الأخضر، فمن المهم أن ندرك أن تأثيراته أكثر من مجرد الحفاظ على البيئة؛ فربما يلقي الإنسان نظرة عجلى على السيئة فيحسبها حسنة، أو العكس.

كم هي مختلطة أمور الحياة ومتشابهة! فكرة الحزام الأخضر -وهي فكرة بيئية في الأساس- كان السبب وراءها الحفاظ على البيئة، وإحياء الجمال، ولكن لانهيار الحدود بين العلوم، وتجاوز التخصصات، ونظراً لكوننا نعيش في منتصف ليل الإنسانية، نقل الناس فكرة الحزام الأخضر كل إلى تخصصه؛ فالإنسان كائن نفعي بطبعه، فهو يبحث عن مصلحته أينما حل وارتحل، وإن عدو المرء اللدود هو من يعمل عمله، وبما أن الإنسان بطبعه حيوان مسوِّغ فهو يغلف ذلك بمبررات بليدة أشهرها:

حماية المنتج الوطني، وأكبر متضرر من هذا الاحتكار هو المواطن لا ريب في ذلك، وهذا الكلام ما هو إلا مسلك له مغزاه، فهي خدعة تشبه وضع إناء مملوء بالحصى على النار.

فأول من استفاد من فكرة الحزام الأخضر؛ بل وأكبر المستفيدين على الإطلاق هم ملاك الأرض التي حماها الحزام الأخضر من التنافس مع الأراضي الأخرى، التي أُخرجت من المنافسة بقوة القانون، ففكرة الحزام الأخضر هي فكرة احتكارية إذا نظرنا إليها بنظرة أوسع من نظرة الحفاظ على البيئة، وإحياء الجمال.

فقد تلقف أصحاب رؤوس الأموال الجشعون، سيئو المَلَكة، الذين يمتلكون قدراً كبيراً من ليونة الضمير، فكرة الحزام الأخضر، وبدأوا تطبيقها كل في مجاله، واستطاعوا عن طريق الطرق المشبوهة إنشاء أحزمة خضراء حول مجالاتهم، واستطاعوا تحقيق أرباح كبيرة، وكان هامشها مرتفعاً جداً، بحيث أصبحت دخلاً ريعياً.

هذه الأرباح لم تأت من التوظيف الأمثل لمختلف عوامل الإنتاج، وإنما لسبب خارجي لا علاقة له بكفاءة الإنتاج؛ وقد تعاون في ذلك السياسي، ورجل الاقتصاد، والبيروقراطي، فالمصلحة التي تجمع بين أصحابها، كالنسب الذي يجمع على التحابب، والحلف الذي يجمع على التناصر، مستعينين في ذلك باحتياطات تسبق الثعالب بسنين ضوئية.

من المقطوع به أن يتسبب ذلك في مشاكل كبيرة وسلبيات لا تخطئها عين:
فقد سيطر هؤلاء الجشعون على الأسواق واحتكروا السلع، واطمأنوا إلى عدم المنافسة فتراخوا وأخرجوا لنا منتجاً رديئاً.

الأمر لم يقف بنا عند هذا الحد، وقف أين إذاً؟ تعال لنر..
ملائكة الرحمة (الأطباء)، تقاتل نقابة الأطباء بكل ما أوتيت من قوة لتحجيم السوق، فهي لا تقبل إلا عدداً قليلاً جداً من خريجي الثانوية العامة والأزهرية، حتى يظل السوق متعطشاً للأطباء، وتظل القاعدة الاقتصادية الشهيرة "القوة في الندرة" فعالة وتؤتي أكلها، فهي ترفض الترخيص لكليات الطب إلا بشروط غاية في الصعوبة، فضلاً عن الحرب التي تدخلها النقابة مع ممارسي مهنة العلاج الطبيعي من خريج كليات العلاج الطبيعي.

قس على ذلك جميع المهن والتخصصات، فالأمثلة كثيرة، فما عليك إلا أن تكر السبحة وتستغني عن العد، فهي مسألة كبيرة طويلة الذيل، تجعلنا لا نعجب من وصف "جورج برنارد شو"، للمهن بأنها "كلها مؤامرات ضد عامة الناس"، حتى إن مهنة الشحاذة لم تنجُ هي الأخرى من سعي أهلها بتطويقها بحزام أخضر!

في رواية "البنسات الثلاث" لبرتولد بريخت، يفقد بطل الرواية "فيوكومبى" رجله في أثناء الحرب، فيترك العسكرية، ويمتهن الشحاذة، وفي أثناء وقوفه بالشارع يزاول مهنته الجديدة، وكان غراً بيّن الغرارة لم يخض التجربة من قبلُ، ينهال عليه الشحاذون القدماء بالضرب والصفع؛ لأنه تجرأ ودخل مهنتهم، ثم يفهم بعد عناء أن الأمر ليس بهذه السهولة، وأن العين لا تقاوم المخرز، ولا ينجو من التضييق عليه والتحرش به إلا بعد دخوله في حماية أحد أباطرة هذه المهنة، فيضمن له ممارستها دون أدنى خوف، مقابل نسبة يدفعها له من أراد الشحاذة الذي يتحصل عليها مقابل الحماية.

فعالَم المال يستوجب الركوع، ومن لا يركع لا يحصد إلا الصفعات، ومن يخالف هذه النصيحة فليضرب في التيه، وهذا ما تعلمه فيوكومبي في النهاية.

رجال الدين ورجال السياسة، أملنا وسبب تعاستنا في آن، يعلق الناس وخاصة في المجتمعات الشرقية آمالاً كبيرة على الدين، وعلى رجاله، فالدين هنا يشغل حيزاً كبيراً جداً من حياة الناس، وكما عبّر المصلح الإسلامي وعالم الاجتماع الإيراني الكبير علي شريعتي: "الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدواراً متناقضة. يمكن له أن يدمر أو يبث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة".

لأجل هذا، سعت الدولة لإنشاء حزام أخضر حول الدين، وتحولت الدعوة إلى الله التي تعتبر سبيل كل المسلمين "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (سورة يوسف: 108)، "بلغوا عني ولو آية" (أخرجه البخاري)، إلى مهنة مثل أي مهنة.

سعي الدولة لتأميم الدين هذا أمر مفهوم مغزاه، فكل ملك أو رئيس يسعى سعياً حثيثاً لكي يضمن ولاء رجال الدين، فإن ضمِن ذلك استقر له ملكه، لا ينتطح فيه عنزان؛ ولكن موضع العجب والاستنكار هو حرص رجال الدين أنفسهم على هذا الحاجز "الحزام الأخضر"، فهم كثيراً ما يثلبون وينتقصون الدعاة إلى الله، حتى وإن كانوا أكثر منهم علماً، وأنفذ منهم بصيرة، بدعوى أنهم ليسوا متخرجين في مؤسستهم، أو أنهم من خارج مذهبهم، أو منهجهم، أو لم يقرأوا على مشايخهم.

وبسبب هذا الفهم الكنسي للإسلام، تحول الدين إلى لاهوت وهؤلاء هم كهنوته، فلا يخفى على أحد ما أصاب رجال الدين من الولع الشديد، والحرص الحثيث، على سرور السؤدد، وعز الرياسة، وثمرة السيادة، وغبطتهم العظيمة لإنفاذ أوامرهم ونواهيهم، بالإضافة ما يشعر به الناس من شقوق كلامهم المدهون بزيت التكبر والاستعلاء.

وما فعلته الدولة في أمر الدين فعلته في أمر السياسة، فأممت الحياة السياسية، ولم تسمح بظهور إلا من وافق هواها، وأعانها في ذلك انتهازية رجال السياسة وحبهم للرياسة والصدارة، فتكلسوا في أماكنهم، محاربين للتغير، واقفين بالمرصاد لتطلعات وأحلام الشباب، وصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أكثر مصارع العقول تحت بريق المطامع".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.