المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى أبوضيف Headshot

المسلمون والحنين إلى عصور الفتونة

تم النشر: تم التحديث:

لم يبعَث لينسخ باطلاً بباطل

ولكنّ محمداً -صلى الله عليه وسلم- لم يبعث لينسخ باطلاً بباطل، ويبدل عدواناً بعدوان، ويحرم شيئاً في مكان، ويحله في مكان آخر، ويبدل أثرة أمة بأثرة أمة أخرى، لم يبعث زعيماً وطنياً أو قائداً سياسياً، يجر النار إلى قرصه، ويصغي الإناء إلى شقه، ويخرج الناس من حكم الفرس والرومان إلى حكم عدنان وقحطان، وإنما أرسل إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، إنما أرسل ليخرج عباد الله جميعاً من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويخرج الناس جميعاً من ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

أبو الحسن الندوي: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟".

تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام، فضلاً عن القرون الثلاثة الأخيرة، فترة هوان وضعف، صريعة بأيدي المستعمرين، وتتلقفها أيادي الظالمين كيدي الحابل، فهي بين حاذف وقاذف، ورداً على ظلم الأمم بالتعاقب لأمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، جنح العقل الجمعي الإسلامي إلى "النوستالجيا" دفاعاً عن "الأنا الجماعي"، وسألوا الرجعى إلى عصور ولَّت.

وانتقاماً من هذه الأمم التي كانت عيالاً على دولة الإسلام، تؤدي لها الجزية وتخضع لها خضوع العبد لسيده، شمَّر المسلمون أيديهم وبحماسة شديدة أخذوا ينشرون تاريخ الدولة الإسلامية ورجالتها، ودافعوا عنها دفاع الابن عن أبيه، لا يبالي ظالماً كان أم مظلوماً، فلم يفرقوا بين سلوك رجال جاءوا ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ورجال جاءوا يريدون الدنيا بحق كان أو بباطل، وأخذوا يدافعون عن التاريخ الإسلامى المفترى عليه بمزيد من الافتراء عليه، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، واستبد بالمسلمين فكرة "الإسلام الملكي"،

وأننا لا بد من الدفاع عن دولة المسلمين ظالمة أو مظلومة، وهذه نظرة أيديولوجية ضيقة ومتعصبة تعارض أصلاً من أصول الإسلام الكبرى، وهو نصرة المظلوم والقيام بالقسط والدوران مع الحق حيث دار "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ" (النساء: 135)، وأن المنكر ينكر لا يشكر، ونسوا أن الدولة في الإسلام واسطة وليست غاية، فذهبوا يدافعون عمن يقيم هذه الدولة بأي وسيلة، وساووا بين خلفاء راشدين وأئمة مهديين، وبين ملوك يزاحمون الشياطين بالمناكب، يدافعون عن ملوك وولاة ظلمة، مجرمين،

استباحوا دماء وأعراضاً معصومة، وكانوا لا يملكون أخلاق الإسلام ولا مروءة الجاهلية، وحجتهم البليدة أنهم حافظوا على الدولة ومنعوا تفككها وتشظيها، فكانوا كمن زرعوا الجنة ببذور النار، وكمن ذهب إلى الحانة قاصداً الصلاة.

وإليك بعض الأمثلة التي ألقى فيها كثير من المسلمين أقلامهم أيهم يبرر للبغاة بغيهم، وكتبوا مئات الأمتار من الحبر دفاعاً عن الظالمين:

يدافع الكثير من المسلمين الآن عن بني أمية وولاتهم، لا يفرقون بين بر منهم وفاجر، كيزيد بن معاوية والحجاج؛ بل يتكلمون عنها بتبتل يصل إلى درجة العبادة، ويصفونها كوصف المريد للقطب، وحشدوا كل التبريرات للمساواة بين أصحاب القافلة وقطاع الطريق، وما زالوا يفعلون ذلك مشياً فوق جثة الدين، وممارسة لرياضة جلد الضحية، متغافلين عما فعلته هذه الأسرة التي استولت على الحكم بعدما أجرت أنهاراً من دماء الصحابة، وأبناء النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حافظت على ملكها بمزيد من دماء التابعين، وعلماء، وفقهاء الإسلام، وضيعت حق الأمة في اختيار من يحكمها،

وحوَّلت الحكم في الإسلام من خلافة راشدة على منهاج النبوة إلى ملك عضوض، فكانت النقطة التي انطلق منها الشر، وكانت كسيجارتنا الأولى التي سندمن بعدها الألم، وحال الإسلام بعد فتنتهم كنهر اغتاله مستنقع، فتفرقت بالمسلمين السبل، ولم يجتمع شملهم إلَّا أن يشاء الله.

ويرى المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي، ولأحاديث الشباب، حفاوة كبيرة من الشباب المسلم بشخصية "الحاجب المنصور"، أحد ملوك الأندلس الذي بلغت شهرته الآفاق، صحيح أن المنصور يعتبر من القادة الأفذاذ، مرهوب الجانب من قِبل أمراء الممالك المسيحية، وقد بلغت غزواته التي غزاها بنفسه إلى ما يقرب من 57 غزوة، لم يهزم في إحداها قط، وكانت دولة المسلمين في فترة حكمة قوية منيعة،

لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن هذا الرجل وصل إلى الحكم عن طريق الخيانات والاغتيالات، حتى إنه خان ونكَّل بمن قدم له المعروف وساعده في الوصول إلى ما وصل إليه، حتى صهره وابنه لم يسلما من بطشه، فالمعروف عن المنصور ابن أبي عامر، أنه لم يعدم وسيلة في سبيل تحقيق ما يريد، من استخدام للرشاوى التي كانت من مال المسلمين في فترة توليه "لدار السكة"، فضلاً عن الدماء التي أراقها ليصل إلى الحكم في الأندلس.

أما في عصرنا الحالي، فالجميع لا يخفى عليه تباكي المسلمين على الرئيس العراقي الأسبق "صدام حسين"، وهو أمر يضحك الثكلى! فالرجل لم يكن يمثل الإسلام ولا المسلمين، فهو رجل "قومجي بعثي"، وهي فكرة في أساسها أنشئت لقطع الطريق على البعث الإسلامي، وبسبب هذا الطاغية الظالم، حدث للعراق ما حدث، وتشيعت بغداد حاضرة الخلافة العباسية.

وسبب سقوط المسلمين في أوحال التناقض هذا، هو الحنين والتعطش لفكرة "الإسلام الملكي"، وأن تكون لنا دولة حتى وإن كانت ظالمة فهي غاية المرمى! بل الكثير منا يؤمن بالمثل الشعبي القائل: "العيلة اللي من غير صايع حقها ضايع".

ولكن ليست المشكلة هي الدفاع عنهم, فالمعروف من طبع الناس بالضرورة "أنه يمدح السوق من ربح فيه"، ولكن المشكلة أننا ألبسنا تبريراتنا وحججنا في الدفاع عنهم لباس الدفاع عن الدين، ونسينا أن دين الله أكبر من أن يستباح في الأحقاد والضغائن، والعنصريون مهما ادَّعوا العافية فهم أناس مرضى.

وغير هذا فإننا في فترة حكمهم لم نكن ننعم بالرخاء والحرية والمساواة، ولكن كل ما في الأمر أن الحبل المربوط في أعناقنا كان أطول قليلاً من المربوط في أعناق الآخرين، فضلاً عن كونهم اتخذوا الشعوب التي يحكمونها مسلمهم وكافرهم سواء، ناقة حلوباً ركوباً يجذون صوفها ويظلمونها في علفها.

ويعترض المعترض على هذا الكلام قائلاً: أمستبد قوي ظالم خير، أم ما نعانيه الآن؟ وكل ما يمكننا قوله رداً على هذا الاعتراض، فلله در القائل: "فخيرتني بين العمى والجهل.. وما فيهما حظ لمختار".

ونختم بوصف دقيق لحالنا يحكيه نجيب محفوظ، في روايته "حكايات حارتنا"، في كوننا نقدس الفتوات، حتى وإن داسونا تحت نعالهم، فيقول: "الفتونة هي القوة الجوهرية في حارتنا، هي السلطة، هي النظام، هي الدفاع، هي الهجوم، هي الكرامة، هي الذل والسعادة والعذاب.. ويحب الفتوة الجمال والنقاء ويعشق الحكايات.. ويتلقى الفتوة الإتاوات ويصغي إلى التملق، وعند القتال فهو يقاتل بنبوته ورأسه وقدميه وأتباعه، وأيامه أيام رعب وجبن وذل ونفاق.. وتعلمني الخبرة مع الأيام أن حارتنا تقدس طائفتين: الفتوات، والبلهاء".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.