المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى بادوي بن عبد الله Headshot

الإعلام الجديد، يكذّب نبوءات مدرسة فرانكفورت الفلسفية!

تم النشر: تم التحديث:

تاريخ الفلسفة تاريخ حافل بالرؤى الفكرية والفلسفية حول مآل الإنسانية والحقيقة والوجود والزمان، لا يهم ما إن كانت هذه الرؤى نابعة من حتمية تاريخية أو فكرية، ولكن ما يهم من هذه الرؤى هو كيف تناولت قَدَرِيّةَ الحقيقة والوجود والمعرفة والوضع البشري. فبدايات القرن ١٩ ونهاياته حملت سلسلة من الأحداث التي اهتز فيها عرش العلوم الحقة، بما فيها الفيزياء والرياضيات والطبيعة والميكانيكا، وكما يعلم كل باحث في شأن الفلسفة المعاصرة أن كل المدارس الفلسفية على اختلاف جذورها التاريخية السابقة واللاحقة عن القرن ١٩ قدمت رؤى للعالم المعاصر الذي صار يتحدث لغة النسبية والأكسيوماتيك والنسبية، ولقد قدمت جميع المدارس الفلسفية الألمانية المعاصرة (ق 19) نفسها كاتجاه نقدي في الفلسفة على اختلاف قضاياها، والحديث في هذه التدوينة سيدور بشكل استقرائي حول مدرسة فرانكفورت الألمانية النقدية بامتياز التي اندغمت فيها أقلام فلسفية ألمانية وازنة من مرحلة التأسيس والحرب والمنفى وإعادة التأسيس، مثل هوركهايمر، وهيربرت ماركوز، وثيودور أدورنو، ويورغن هابرماس الذي جسد رؤى نقدية قاطعة مع التقنية التي اعتبر من خلالها العقل التقني العلمي عقلًا أيديولوجيًّا غائيًّا، مثلما نَحا نَحْوَ الفيلسوف الوجودي مارتن هايدجر الرافض للروح التقنوية التي استبدت بالإنسان عبر مراحل تاريخية متعاقبة قلبت موازين سيطرة الإنسان على الطبيعة إلى استلاب تقني يتحول العلم في مستواه التقني إلى سيطرة على الوجود البشري.

إذا كان هذا الرفض للتقنية في القرن ١٩ نابعًا من المدرسة الألمانية النقدية بوعي منها بحتميات التقنية على الوضع البشري والحقيقة والطبيعة والحق والأخلاق والجمال والوجود إجمالًا، فإن مرد هذا الرفض نسقيًّا في تاريخ الفلسفة يرجع إلى اللحظة الديكارتية في نهايات القرن ١٦ وبدايات القرن ١٧ حيث ساد الفكر الديكارتي التقني، أو ما سمي بالفلسفة العملية التي جاءت كردة فعل على انتشار الفكر الفلسفي المدرسي السكولائي المسيحي الذي ظل فكرًا فلسفيًّا نظريًّا حافلًا بالتصورات السببية الأرسطية، ردود الفعل هذه تبناها رسميًّا رونيه ديكارت في كتابه مقالة في المنهج، والذي يدعو فيه جهارًا إلى أن ينخرط الإنسان في السيطرة على الطبيعة وريضنتها وتنصيب ذاته سيدًا عليها ومالكًا لها ومتحكمًا فيها.

منذ ذاك الحين تطور الفكر التقني والميكانيكا بشكل صار يهدد الإنسان والطبيعة على حد سواء، وهو ما تم تجسيده من طرف الألمان، سواء من داخل الإطار الفلسفي السوسيولوجي لمدرسة فرانكفورت أو من خارجه خصوصًا مع مارتن هايدجر وأوسولد شبنجلر الذي اعتبر التقنية بشكل قاطع روحًا تتحدى الإنسان وتمحو عنه إنسانيته!

ومع نهايات في القرن ٢٠ وبداية القرن ٢١، ومع تغير الباراديجمات العلمية والتكنولوجية، أصبح من الصعب على العقل الفلسفي أن يقبل المحاسبة من ذات المنطق الذي حاسب به العقل التقني على مآلات الحقيقة والعلم والتاريخ والإنسان، بل فوق هذا لا يمكن للمتأمل فلسفيًّا في مآلات التقنية إلا أن يقف على ازدواجية المنطق عند العقل، فهو العقل نفسه يشرع الانخراط في المكننة والتحكم في الطبيعة، ثم هو هو العقل ذاته ينقلب على شعار التحكم في الطبيعة بشعار الحد من التحكم في التحكم، اعتبار من أن التحكم الأول من الإنسان في الطبيعة ينتج حتمًا تحكمًا مضادًا من الطبيعة في الوجود إجمالًا وضمنه الوجود الإنساني الذي يصبح تحت رحمة الطبيعة وتهديدها الذي هو من جنس تهديده لها. وإذا سلمنا جدلًا بأن التحول التقني فتح الوجود الإنساني على انكاشافات في مدارات الحقيقة واتساعًا ملحوظًا في مداراتها، فإننا نلحظ كيف أن آثار التقنية صارت تظهر في كل مناحي الحياة، في السياسة كما الاقتصاد والثقافة والتواصل والإعلام، وما دمنا بصدد الإعلام فإننا ننوه بأن رؤية الفلسفة للإعلام لا تقف عند الوجه الآلي للتقنية بقدر ما نشير لتأثير الإعلام التقليدي المحدود مقابل ما أحدثه الإعلام الجديد "النيوميديا" من تغييرات جذرية في بنية النظريات الموجهة للسلوكات البشرية وأنماط الوعي والتواصل.

ومع وعينا بأنه خلف كل نظرية ما أو فعل بشري ما، قصديةٌ بالمعنى الظاهراتي، فلا غروَ أن نعلن هنا بأن الخطوط العامودية التي أطّرت الإعلام التقليدي عبر تاريخه والبرامج المبثوثة بُثّتْ وأُطِّرتْ بما يشبه قسرية آلية على العقل البشري وبمنطق معرفي ينتهج أسلوب التدفق الإعلامي في اتجاه واحد من أعلى إلى أسفل2، وهو ما خلف تأثيرًا على الجمهور بما يثبت نبوءة العالم روبرت كوكس عن "ذاتية النظريات" وعدم قابليتها للمَوْضَعةِ OBJECTIVATION ما دامت تتغيا التأثير السلوكي، إلا إن تطور الويب 2.0 والشبكات الاجتماعية ومعها الطرائق واللغات البرمجية كال HTML و PYTHON و PHP سيعلن بدء انثار وتراجع مجموعة من التصورات والنظريات الكلاسيكية علميًّا وعمليًّا، خصوصًا مع إعلام أول عقود القرن 21 الذي حول "المجتمعات المتشكلة افتراضيًّا" إلى طبقات واعية بموقعيتها من الإنتاج التواصلي وهامشيتها ضمن "حركية المعلومات"، وهو تحول تراه الإبستيمولوجيا الفلسفة مسألة حتمية لازمة تتسق مع نبوءة وتصور توماس كوهن حول العمر الافتراضي للباراديجمات العلمية، هذا فضلًا عن كارل بوبر في نظريته الموسومة في حقل الإبستيمولوجيا المعاصرة بنظرية القابلية للتكذيب3، والتي ترى بحتمية انهيار النظريات اللاتجريبية أو تلك التي لا تقبل التكذيب من خلال أنساقها، ثم بروز نظريات أخرى على أنقاضها كفيلة بأن تفسر روح العصر في سياق زمني محدد قبل أن تأتي من تلقاء نفسها بالتكذيب الذي يهز أسسها النظرية ويغيرها مع تغير مسارات العلم، وهو ما حصل في التحول من الإعلام التقليدي إلى استمراره مع ظهور إعلام جديد، فتح زوايا جديدة للحقيقة وكشف الأبعاد والخطوط المحرمة في الإعلام التقليدي.

ومن هنا نود أن نشير إلى أنه ووفقًا لتاريخ الفلسفة، لو كان مقدرًا لمدرسة فرانكفورت أن تستمر في نقدها للتقنية حتى اللحظة الراهنة التي نعيشها في القرن ٢١ بين الحروب والكوارث الطبيعية والتحولات المناخية الكبرى، لكانت هذه المدرسة تخلت حقًّا عن موقفها الرافض للتقنية روحًا وآلةً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع