المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى بادوي بن عبد الله Headshot

رؤية فلسفية للدولة العربية المعاصرة

تم النشر: تم التحديث:

شرعية العصيان السياسي بين حتمية الاختلاف الفكري وحتمية "العنف المشروع " .

تتناقض فكرة التعددية الحزبية السياسية مع فكرة العصيان المدني أو الشعبي أو العصيان الحركي المسند من جماعات ضاغطة ذات أهداف محددة، وانطلاقًا من الوضع البشري نعي جيدًا أن تاريخ البشرية محكوم بأنواع شتى من العصيان وبالتالي نقف هنا لنضع تصورات مبدئية في شرعية العصيان .

فالعصيان يبدأ متى ضاقت الهوة بين الحاكم والمحكوم أو بين المواطن والحزب في إطار الدولة، وقد يحصل عندما يتحول أو يشذ أمر الدولة الشرعي والديمقراطي عن مساره، فيشعر الفرد حتمًا بضرورة المواجهة والعصيان الذي يأخذ أشكالًا رمزية منها اللامبالاة وأشكالًا عملية تتعلق بالتخريب أو التثوير الجماهيري، و بالتالي يتحول العصيان على آلية لكسب التأييد الاجتماعي ولتحقيق مصالح أفراد، غير أن العصيان ليست مضمونة اتجاهاته وانحرافاته السلوكية الجمعية، وبالتالي لا يتم التعامل معه عادة ببرود سياسي، حتى في الديمقراطيات الغربية الكبرى، وإنما يواجه بعنف "مشروع" Legitimated مثلما تنظر لذلك نظرية ماكس فيبر Max Weber عن شرعية و مشروعية العنف الذي تمارسه الدولة وأجهزتها قيامًا بواجبها ووظيفتها الأساسية وهي حفظ الأمن ومنع الاضطرابات ومن بينها العصيان أو ما يقربه من احتجاج أو اعتصام شعبي منظم أو غير منظم، لكن هذا لا يمنع من أن نشير بأن الدولة حينما تمارس عنفًا مضادًّا للعنف دون أن تستوفي بنياتها ما يضمن للمواطن كرامته فهذا يعني أنه عنف مزدوج القيمة لمواجهة العصيان، الأول يبرره الإخفاق في تحقيق حظ أدنى من كرامة الإنسان، وأما الثاني فيعتبر مصادرة وإجهازًا على أدنى حقوق الإنسان في التبرم وسلطة القول.

وإننا إذ نثير شرعية العصيان نثيرها من أربع زوايا: الأولى عرضناها آنفًا وهي تتعلق بالعصيان الشعبي، فيما الثانية فهي تتعلق بالأحزاب السياسية التي قد تتحول إلى جهاز متحكم حسب Antonio Gramsci أنطونيو غرامشي يمارس الهيمنة الثقافية الأيديولوجية والسيطرة على أجهزة الدولة ومؤسساتها. ولـ"غاندي" تعبير دقيق وجميل يصف به هذا الأمر.

أما الثالثة فهي تتعلق بالحاكم الذي يستمد شرعيته سلطة مطلقة، فيحاول شخصنة الدولة بحيث يحول النظام السياسي والاقتصادي والبيروقراطي والقانوني الذي يناط به الفصل بين الناس بالعدل وإدارة دولاب الحكم، إلى الاندماج في المؤسسات القائمة على التنفيذ المحض لإرادة الحاكم المستبد، وخاضعة للإرادة الشخصية المتوحدة المتسيدة على قمة هرم الدولة. وتسود في هذا النظام التفسيرات والاجتهادات التي تدعم الوضع القائم، وتفرغ الدلالات القانونية المرتبطة بعمومية القاعدة القانونية وتجريدها، فتفرغ القانون من هذا المحتوى الموضوعي ليصير ذا مؤدى شخصي ومشخصن لصالح أفراد وأناس بعينهم ذوي علاقات شخصية برأس الدولة ومن يحيطون به، هذا أقل ما يلخص نظام -الجماهيرية الليبي- وهو نفسه الأمر الذي تنطلق منه نظرية ميكافيللي في كتابه "الأمير"، على اعتبار أن القسوة كلما زادت ازداد نظام الحكم ضعفًا، وأنه إذا لم يكن من سبيل أمام الحاكم لانتزاع الطاعة إلا بالعنف، على أن المقصود بالشرعية هنا هو الطاعة، وقد أثبتنا مع ابن خلدون أنه يستحيل للحاكم أن يحكم شعبًا إلا بتوافر الاعتدال والرفق والكيس في علاقته مع الرعية، بحيث يستحيل عليه أن يمارس الحكم إلا كانت الشرعية متواضع عليها وهو ما يفتح العصيان على سيناريوهين هما إما أن تتبنى الأحزاب السياسية دمقرطة الحياة العامة و تفعيل الفصل بين مؤسساتها أو أن الثورة تكون بديلًا حقيقيًّا و هو ما جسدته رغبة بعض الشعوب في "الربيع العربي 2011 ".

ومن باب المقابلة بين شرعية الحاكم وسلطة الأحزاب على الشأن المحلي للمجتمع العربي المسلم نخلص إلى أن التعددية الحزبية هي حل للعصيان السياسي والتشرذم والتنابذ، وليس ما كرسته التجارب الديمقراطية في دول العالم الإسلامي باسم التعدد الحزبي من طائفية وتشرذم وصراع ومعارضات هدامة سمتها الاغتيال والتصفية السياسية، وهذا ليس من روح التعددية الوجودية والفكرية والسياسية في شيء خصوصًا في البلاد العربية المسلمة .