المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصعب محمد عيسى  Headshot

كيان مصطنع وتاريخ زائف!

تم النشر: تم التحديث:

يستعد العراق في هذه الأيام لإعادة بلورةٍ مهمةٍ وانعطاف خطير في جغرافيته السياسية والتكوينية، تتلخص في إجراء استفتاء مزعوم يدعو إلى استقلال إقليم كردستان شمال العراق واقامة كيان مستقل على حدوده؛ تنفيذاً لمطالب بارزاني وحلفائه المتحكمين في قرار هذه البقعة الجغرافية منذ عقود.

لكن للتاريخ قوله الفصل والثابت والمستند إلى الوقائع والمعطيات المادية في أزمة هذا الإقليم وتداعياته السكانية والجيوسياسية، فلكل دولة قوائمها وركائزها التي تعطي لشرعيتها وديمومتها عنصر البقاء على مر العصور مهما عصفت الأحداث والمجريات.

وفي هذا السياق التاريخي، شهدت الأيام والسنون الماضية أقلاماً كان مصيرها الموت والتشهير؛ بسبب وقوفها الصحيح وقراءتها التاريخ بعيداً عن الشوفينية والتعصب القومجي وبعيداً عن التوجهات السياسية والتحريف المدسوس في جسد التاريخ.

ولعل أبرز الغائبين والحاضرين في هذه الذاكرة، هو البروفيسور الكردي الراحل عمر ميران، الذي كتب فصل الحقيقة في تاريخ هذا الكيان الكردي المصطنع، وأوضح بصورة تفصيلية بسيطة بعيدة عن مصطلحات الأاركيلوجيا تاريخ منطقة شمال العراق ومسيرة الأكراد التاريخية من حيث الأصل والتوزّع، وصولاً إلى مناطق العراق وسوريا.

فقد اعتبر الدكتور عمر ميران أن هذه الدولة الكردية أشبه بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين؛ ومن ثم فهو كيان غاصب اعتمد التزويرَ والتلفيق التاريخي ودس الإسرائيليات في متون التاريخ؛ نزولاً عند رغبة الغرب وتماشياً مع الانتهازية المتمثلة بقيادة الكرد الذين نصبوا لهذا البروفيسور محكمة ميدانية عام 1975 وأردوه قتيلاً، في محاولة بائس لإسكات صوت الحقيقة.

يقول الدكتور عمر إنه إذا أردنا أن نكتب تاريخ الشعب الكردي، فلا يلزمنا سوى بضع وريقات فقط؛ لأنه شعب بسيط ليس له أي تأثير ملموس يُذكر على الأقوام المجاورة، التي أسست لحضارات عظيمة مثل الفرس والعرب.

وإن فكرة إقامة الدولة الكردية على شمال العراق لهي أشبه بالدولة الإسرائيلية في فلسطين والتي تتضمن سرقة الأرض والاستيلاء عليها بالقوة والإعلام المدعوم غربياً وإسرائيلياً؛ لذلك فهي كيان محتل من وجهة نظر البروفيسور الكردي ميران.

أيضاً، يُعتبر الباحث خالد الجاف من ضمن الأقلام الكردية التي كتبت في هذا السياق التاريخي للوجود الكردي وتاريخه في شمال العراق، فيشير بكل وضوح إلى تاريخ قدوم الأكراد لشمال العراق وسوريا وهو في منتصف القرن التاسع عشر، حين قدموا من الجبال الإيرانية واستوطنوا في مناطق العرب والآشوريين والتركمان وغيرهم الذين سكنوا هذه الأرض منذ 7 آلاف عام، وأنشأوا حضارات لا تزال حجارتها قائمة إلى هذا الوقت.

إلى أبعد من ذلك، يشير الباحث خالد إلى أن الأكراد كانوا آخر من وصل إلى هذه الأرض وقاموا بعمليات سلب ونهب وقتل ضد السكان الأصليين، وقاموا بعد ذلك بعمليات تكريد للسكان وتغيير اسم المدن والبلدات التي في أغلبها تحمل طابعاً آشورياً أو كلدانياً أو عربياً.

إن الأكراد لم يقيموا أي حضارة تُذكر في المنطقة العربية التي يدّعون إقامتهم فيها منذ آلاف السنين، لم تصل البحوث والحفريات إلى أي دليل يؤكد هذه الحضارة، على العكس كل الأبحاث والحفريات تؤكد عروبة هذه الأرض وآشوريتها وكلدانيتها وإسلاميتها.

هذا التزوير التاريخي ومحاولة دس السم في باطن التاريخ يعيداننا إلى قصة مشابهة تماماً أو واقع مطابق تعيشه منطقتنا العربية؛ تلك التي تعانيه أرض فلسطين من حفريات والتي كلما تعمَّق الحفر أكثر فأكثر يكتشف اليهود الإسرائيليون أنها أرض كنعانية عربية إسلامية فلسطينية، ولكنهم يقومون بتغيير أسماء المدن والبلدات تحت سياسة ما يسمى تهويد الأرض.. أليس التزوير متشابهاً في الحالتين؟

على العكس، فإن الأكراد -حسبما يقول البروفيسور الكردي عمر ميران- قد أخذوا مجدهم وحرية تنقُّلهم بعد الإسلام، بحكم أن الإسلام قام على أساس مساوة من دون تمييز عرقي فيه فأخذوا لاحقاً أحرف الأبجدية العربية ليكتبوا لغتهم.

لذلك، يؤكد ميران أنه تم تزييف التاريخ وتكريد المدن وتغيير أسمائها العربية والتركمانية والآشورية إلى أسماء كردية؛ تمهيداً لإقامة الكيان المزعوم. وهنا استشهد ميران بقول لعبد الله أوجلان، الذي قال "دولة كردية كإسرائيل مرفوضة؛ لأنها أشبه بالاحتلال".

وهناك العديد من الدراسات التي قدمها مؤرخون غربيون أو مستشرقون أجانب عن حياة الكرد وتاريخهم، ومن ضمنهم المؤرخ باسيل نيكيتين في كتابه "تاريخ الكرد"، حيث يشير إلى أن حياة القبائل الكردية قائمة على النهب والسرقة والقتل، وأن هناك مدناً آشورية وسريانية وعربية بأكملها تعرَّض أهلها لمجازر مروعة من قِبل القبائل الكردية التي سيطرت على هذه المدن، وبفعل المجازر أصبحوا هم الأكثرية.

إضافة إلى ما سبق، فإن علم السلالات البشرية (الأنثربولوجيا) قدم المزيد من الحقائق العلمية عن حياة الأكراد وأصولهم، فقد أكد العلماء أن صفات الأكراد وملامحهم وطبيعة أجسادهم هي أقرب للعِرق الفارسي منه إلى شعوب بلاد الرافدين، سواء كانوا عرباً أو آشوريين أو تركماناً.

وحتى في سياق الثقافة واللغة، فإن اللهجة والمفردات التي يستخدمها الأكراد في أغلبها هي فارسية الأصل والمنشأ، وليس هناك تشابه بين لهجة الأكراد ولغات أو لهجات بلاد الرافدين؛
لذا يبقى التاريخ على مر العصور حَكماً يشرع قوانينه وآثاره ومعطياته الملموسة سيفاً بوجه التزوير والتحريف، فهل سنقبل احتلالاً جديداً على هذه الأرض بفعل التلفيق التاريخي والمظلة السياسية العالمية.

كل ما سبق ذكره من باحثين أكراد ومؤرخين وعلماء يثبت أن هذا الكيان الكردي المسمى "كردستان" هو كذبة استفاد منها قادة الكرد العشائريون لجني أرباح اقتصادية وسياسية؛ تنفيذاً لرغبات الأميركان، كما يقول الدكتور ميران.

إن هذا الكيان ليس له أي دلالات تاريخية حقيقية تثبت شرعيته وأحقيته بالاستقلال والوجود.
باختصار شديد، إنه كيان مزعوم وتاريخ مزيف.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.