المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

موسى الزعبي Headshot

مبادرة مفتوحة.. هذا ما يريده السوريون وذلك ما يريده العالم

تم النشر: تم التحديث:

ربما كانت أخطر معركة تخوضها الثورة على مذبح الحرية والكرامة هي معركة المصطلحات والحمولة الإشارية لهذه المصطلحات؛ لتعكس أبعاداً غير الأبعاد والماهوية الحقيقية للثورة، وذلك لتضليل الرأي العام العالمي والثوري، ونسوق من هذه المعركة التالي:


1-
حتى هذه اللحظة ترفض الأمم المتحدة والدول الكبرى والمؤثرة علاوة على الإعلام ويجاريها بذلك المعارضة الصالونية مسبقة الصنع تسمية ما يحدث بسوريا ثورة، وتصر على لفظة معارضة، فكلمة ثورة تعني شرعية مطلقة للثوار بإسقاط النظام بأي وسيلة وعلى رأسها السلاح، بينما كلمة ثورة تعني لا مشاركة سياسية مع أي جزء من النظام بل تغيير سياسي كامل وإعادة هيكلة لمؤسسات الثورة، أما المعارضة فلا تكون إلا سلمية في ظل وجود نظام شرعي منتخب ومستقر، ومَن يحمل السلاح يطلق عليه جماعات مسلحة متمردة؛ لذلك تم تشكيل هيئات باسم المعارضة للتفاوض لمشاركة النظام.

2- حتى هذه اللحظة يرفض العالم إعطاء تعريف حقيقي للإرهاب الذي هو استخدام القوة لغايات سياسية كما يفعل النظام وروسيا ضد شعب أعزل لجأ للتسلح اضطراراً، ورغم قرارات الأمم المتحدة الصريحة بالوقوف مع الشعوب المظلومة والثائرة ضد أنظمة الظلم والطغيان والتدخّل حتى بالقوة لصالح الشعوب، كما في الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أنها انحازت بشكل سافر للنظام المجرم.

3- في الأنظمة الديمقراطية يكون الرئيس في خدمة النظام، والنظام في خدمة الدولة، والدولة في خدمة الشعب والمجتمع وهيئاته، والمجتمع في خدمة الفرد والإنسان، أما في الأنظمة الاستبدادية فيكون المجتمع وهيئاته في خدمة الدولة ومؤسساتها، والدولة بخدمة النظام، والنظام في خدمة الديكتاتور المختل نفسياً وعقلياً.

4- القوانين السورية هي نتاج العقل السوري وميراثه الإسلامي والفكري وليس ملك النظام، وكذلك مؤسسات الدولة كالوزارات والمشافي والجامعات والمدارس وغيرها هي ملك الشعب، والثورة أحرص على استمرارها وبقائها من النظام، والمقصود بالنظام هو المنظومة التي حافظت على الديكتاتور وسخّرت إمكانيات الشعب والدولة لخدمته، وهي مؤسسة الجيش، وخاصة فرق الجيش الطائفية حول دمشق، و17 فرعَ أمن لمراقبة الشعب وإحصاء أنفاسه ومصادرة حريته وكرامته، وعليه لا قيمة لرحيل الديكتاتور دون رحيل النظام ومحاسبتهم؛ لذلك يحاولون التمسك وتضخيم دور رأس النظام ليوهموا الناس بأنه بمجرد ذهابه انتصرت الثورة، وما هو إلا حجر شطرنج بحلقة النظام.

5- للدستور خصوصية ثقافية ودينية واجتماعية، فلكل شعب دستوره الخاص المنبثق من تلك المعطيات، والدستور لا يعد إلا بعد تشكيل برلمان تأسيسي ينتخب مباشرة من الشعب، في أجواء من الحرية والعدالة، وهذا غير متوافر بالثورات إلا بعد سقوط النظام؛ لذلك اعتماد دستور الخمسين هو المخرج حالياً؛ لأنه هو الدستور الوحيد الذي حقق هذه الشروط، الأمر الآخر الدستور ليس مشكلة الثورة كما يحاول البعض افتعالها، بل القتل والتهجير وإراقة الدماء وإسقاط النظام هي الأولوية الأولى للثورة، فبريطانيا منذ القرن السابع عشر لا يوجد لديها أي دستور مكتوب، وكذلك إسرائيل، وغاية طرح قضية الدستور هي إعطاء فرصة للقاتل ومحاصصة طائفية التي يبترها دستور الخمسين، علاوة على أنه لا قيمة للدستور بدون قوة مستقلة تحميه، فجميع الانقلابات العسكرية بتاريخ سوريا غيّرته في دقائق والسؤال الأهم: مَن سيحمي هذا الدستور؟!

6- لا يوجد في سوريا أقلية أو أكثرية تلك التي حاول النظام الطائفي تعزيزها منذ انقلاب البعث في الستينات، وإنما مكونات شعب واحد متساوون أمام الدستور والقانون مع الحفاظ على الخصوصية الدينية والثقافية لكل مكون، فمفهوم الأقليات مفهوم غربي تبلور خاصة بنهاية القرون الوسطى، عندما كان يتم وضع اليهود بأحياء الجيتو وعزلهم بأسوار عالية، وحظر التعامل معهم أو مصاهرتهم أو مخالطتهم، كما كان في ألمانيا، وهذا الأمر غير موجود بسوريا، وعلى الأقليات الحذر من السعي لتمييز نفسها كما في ورقة إسطنبول؛ لأنها ستصطدم بالأمة السنية الضامنة لحماية الجميع، وسبب ذلك هو تمترس النظام بالأقليات من خلال تفضيلها بمراكز ووظائف الدول.

7- أخذت الثورة طابعها الإسلامي ليس بسبب بعض التنظيمات كما يحاول النظام والمأجورون والجهلة ترويجه، لا بل لأن أُس الحراك السلمي والعسكري هو مقتصر على السُّنة فقد انطلقت من المسجد وليس المقهى، حيث كان النظام يمنع أي تجمعات خارج بوتقة البعث، ثم كانت جميع الفصائل من السنة بينما وقفت الأقليات بين الحياد السلبي والإيجابي أو الداعم بشراسة للنظام؛ لذلك كلمة أسلمة الثورة حق يراد به باطل، هو بسبب عدم انخراط هذه الأقليات بالثورة، فبدل لومها على تقاعسها بدأنا نلوم تضحيات الأغلبية المسلمة بدل إجلالها!

8- في مطلع السنة الثانية للثورة شرعت فرنسا وبريطانيا وبإشراف أميركي في تشكيل مكتب استخبارات بكل من الأردن وتركيا لدراسة ومراقبة الثورة وكبح جماحها، وذلك بتصنيفها بين معتدلين وإسلاميين ومتطرفين... إلخ، والفرق الإنكليزية بهذا المكتب كانت مشرفة على الحرب بأفغانستان وتسليم العراق لإيران، وأسفر هذا التعاون عن تشكيل غرفة الموك والموم أو ما تسمى نظرية الصنبور الواحد للدعم، وقد نجحت بالتحكم بفتح المعارك وإنهائها بأغلب المناطق تحت تهديد قطع الدعم، ومنذ مطلع السنة الثالثة للثورة توقف تحرير المناطق وبدأت سياسة التهجير والتغيير الديموغرافي وطعن الثورة بمخطط داعش المتورطة فيه استخبارات دولية، ولكنه فشل وفشلوا بإجهاض الثورة.

9- أفرزت الثورة السورية مصطلحاً سياسياً جديداً، وهو الطابور السادس بعد فشل الطابور الخامس، وهم الأشخاص الجهلة وغير المتعلمين الذين لهم قبول ثوري نوعاً ما، وجعل مفاتيح الدعم والمناصب السياسية بيدهم؛ حيث لم تحتملهم عقولهم نتيجة ذلك، فتم تمرير المخططات من خلالهم وإقصاء وتصفية المدركين للمخطط، ونجحوا بالتلاعب بالثورة من خلال هؤلاء ومَن يسير الطابور السادس غالباً هو الطابور الخامس حتى وصل الأمر بهؤلاء بالمطالبة بمناصفة النظام بالجيش والأمن، غير مدركين لأبعاد ذلك الأمر جنائياً عليهم بمشاركة إرهابيين يجعلهم متورطين مع النظام بجرائمه، واعترافاً منهم به، وبالتالي تبرئته وشرعنته وذهاب حقوق الشهداء حيث ستوصم الثورة بحرب أهلية.

10- الحرية السياسية والاقتصادية والرأي والاعتقاد والتنقل والمسكن والتعلم والتعاقد وغيرها حق لجميع السوريين على اختلاف مشاربهم، ويضمن ذلك الدستور وكذلك التمثيل النيابي والنسبي لا مانع فيه شرط عدم المحاصصة التي تئد الديمقراطية وتشق صف المجتمع.

11- تم إقصاء المجلس الوطني بحجة أنه ذو أغلبية من الأكثرية رغم أن التمثيل متناسب مع مكونات الشعب السوري فكان قرار فورد بتشكيل الائتلاف وتم تعيين أشخاصه دون الرجوع لمؤسسات الثورة؛ حيث اتصلت خارجية الدولة المستضيفة بأشخاص بعينهم بموافقة فورد عليهم لتشكيل الائتلاف ونجحوا بتعطيل الثورة سياسياً وجرّها لجنيف من خلال الائتلاف الذي انتهى دوره وجاءت الحاجة لتشكيل جسم يقبل بمشاركة النظام، فكانت هيئة التفاوض التي تشكلت وفق قوائم معدة مسبقاً بأغلبية الثلثين من خارج الثورة وجميع هذه الهيئات تكون أغلبية الثلثين مضمونة الولاء لترجيح التصويت بالقرارات، بينما الواجهة تغيّر حسب الظرف المرحلي للثورة كصحون وحيدة الاستعمال فتارة يضعون بوقاً صنديداً وتارة بوقاً بنكهة أخرى وهيئات المعارضة الصالونية هذه حتى الآن ترفض إقرار دستور الخمسين، وكذلك ترفض تحديد فترة زمنية أو آلية للعضوية فيها وكذلك ترفض وضع آلية للمحاسبة والمراقبة وأيضاً ترفض عمل مؤتمر وطني ينتخبه الشعب، مما أفقدها مصداقيتها وأصبحت نسخة عن مؤسسات النظام، ولكن بنكهة ثورية بعثية.


12- ما يريده الغرب وروسيا بسوريا هو إنتاج نظام أمني وجيش بديل لجيش النظام الذي يكاد ينتهي على غرار جيش المشرق الذي شكّلته فرنسا قبل خروجها، وذلك ليضمنوا قمع الشعب وعدم حريته وعدم تطوره العلمي والاقتصادي وضمان أمن إسرائيل، وما داعش وأخواتها إلا كذبة فهي كجماعة الجيا بالجزائر التي أغرقت الإعلام المسموع والمقروء بالإرهاب الإسلامي المصطنع، وحالما سيطر الجنرالات على الحكم وقضوا على جبهة الإنقاذ تبخرت فجأة الجيا، ومن أجل ذلك تقوم أميركا وبريطانيا وفرنسا بدورات أمنية وإدارة وغيرها بدول الجوار لتسليم البلد مستقبلاً لهؤلاء في حال سقط النظام وتثبيتهم بقوة الجيش والبوليس بطلاء ديمقراطي.

13- ما يريده السوريون هو تحييد الأمن والجيش عن الحياة المدنية وإعادة هيكلتهم، وإحالة مجرمي الحرب للمحاكم الجنائية، وأن ينتخب السوريون هيئاتهم وبرلمانهم وفق قانون انتخابي عادل وشفاف بعيداً عن البسطار العسكري والمال السياسي والتلميع الإعلامي، أو تتدخل الخارج وهذا ما يعتبره الغرب المتحضر خطاً أحمر محرماً على الشعب السوري.

14- أول خطوة للملمة الثورة وسوريا الجديدة هي دعم القضاء بالمناطق المحررة وإعادة هيكلته، وتشكيل مجلس قضائي أعلى لجميع المحافظات، ثم تشكيل قوة شرطة كذراع تنفيذية من فصائل كل منطقة ووضع قانون انتخابي عادل وشفاف، ثم يقوم المجلس القضائي بالإشراف على تشكيل برلمان تأسيسي يفرز لجنة دستورية لإعداد الدستور وحكومة مؤقتة تدير البلاد، ريثما ينتهي من إعداد الدستور والبدء بهيكلة مؤسسات الدولة، وليس كهيئات المعارضة التي تفرض على الثورة من الخارج، وكأن الشعب السوري قاصر وعليه فقط التصفيق لمن يضعونه كأسلوب البعث، وكأننا استبدلنا الكفيل البعثي والجبهة التقدمية بكفيل السفارات؛ لذلك نلاحظ كل فترة عقد مؤتمرات ومنصات وهيئات برعاية الخارج من شخصيات تم تلميعها إعلامياً تحت مسمى لمّاع شخصيات وطنية!!

وكل هدف ذلك منع الشعب من انتخاب ممثليه؛ لأنه يقصي جميع العملاء الذين يتم إعدادهم وتلميعهم لسرقة الثورة، فالانتخاب المباشر للشعب هو الضمانة للثورة من السرقة وسنرى مستقبلاً مؤتمرات بواشنطن وبعدها الصين وموزمبيق ربما.

15- يحاول الغرب حصر تمثيل السوريين بتيار الإخوان المضطهد بعهد النظام وذي الحمولة السلبية شعبياً الذي لا يمثل 1% من المسلمين بسوريا كممثل للإسلاميين الذين يشكلون 85% من الشعب، وذلك بدعم أشخاص فيه بالمال السياسي، مما أسهم بشق صف الثورة المدني والإسلامي خاصة وبعض الفصائل، وكذلك حصر التمثيل اليساري بهيئة التنسيق والبعثيين الذين أيضاً شقوا صف الثورة بالمال المسيس، وذلك لإقصاء التمثيل الحقيقي للشعب ومصادرة حريته بالتمثيل الحقيقي والعادل، فالغالبية العظمى للإسلاميين بسورية غير مؤدلجين، وكذلك اليسار وحصرهم بهذين التيارين غايته الفرقة ومصادرة الحياة السياسية، وكلا التيارين يرفضون باعتبارهم مهيمنين على قرار المعارضة بدعم الخارج وضع برنامج انتخابي شفاف يحترم الشعب، بحيث يفرز الشعب ممثليه ليبقى التعيين يأتي من السفارات لنفس أشخاصهم والثورة لم تقم لاستبدال استخبارات النظام باستخبارات الخارج، بل جعل الشعب المرجع والكفيل بوضع وإقالة ممثليه.

16- ما تقوم به أميركا وبريطانيا وروسيا بالتغطية على جرائم إيران بسوريا وإعادة تعويم وتسويق إيران بإجبار دول عربية بإعادة العلاقات معها، وذلك كي تبقى اليد الضاربة ضد الأمة السنة الضامنة لاستقرار المنطقة وشرطي أميركا الثاني بالمنطقة بعد إسرائيل وذلك بسبب العطالة الأخلاقية والنفسية التي يمر بها الجيش الأميركي التي تشبه اعتماد روما على المرتزقة قبيل انهيارها، وكذلك السعي لإعادة إنتاج النظام من داخله أو من داخل الثورة من خلال مشاركته والهدن ليس إلا سراباً بقيعة وخيط دخان ما هم ببالغيه.

وأخيراً على العالم أن يختصر الطريق عليه ويعلم أن النظام حرق جميع المراكب وحجم الإجرام الذي فعله بالشعب لا يقل عن النازية ومحاكم التفتيش، فقد ترك شرخاً بالنسيج الاجتماعي السوري لا يردم قبل عقود، والشعب أصبح بالكامل مشروعاً ثورياً واستشهادياً ولن يعود لبيته قبل اجتثاث هذا النظام من جذوره ومحاكمته، ولو طالت الثورة أجيالاً وأجيالاً فعليهم اختصار الأمر بوقف التضليل ورفع يدهم عن دعم النظام، فليس أمام الشعب ما يخسره والثورة اليوم أقوى من أي قوة على الأرض.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.