المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

موسى الزعبي Headshot

كواليس معركة الموصل ودويلة وعد "سيفر"

تم النشر: تم التحديث:

يبدو أن التاريخ الحديث يعيد نفسه مع كل لحظة لصمود واستمرار الثورة السورية، فمطلع القرن الثامن عشر أوصى قيصر روسيا بطرس الأكبر بضرورة الصراع الحضاري مع تركيا العثمانية، وجاء بوصيته بالفقرات التاسعة والحادية عشرة والثالثة عشرة أن مَن يحكم اسطنبول يحكم العالم، وضرورة التعاون مع جزء من أوروبا لاحتلال اسطنبول، ثم التعاون مع الجزء المتبقي من أوروبا لترتيب ومقاسمة النفوذ بالمنطقة.

وبنهاية نفس القرن بدأ الروس مع الأوروبيين بتسليح رعاياهم المسيحيين بدول البلقان، والقيام بثورات ضد تركيا العثمانية، وعندما قامت اسطنبول بقمعهم بسبب خروجهم عن عقد الدولة، تم تحريك الرأي العام الأوروبي والروسي ضد اسطنبول لحماية الرعايا المسيحيين، كشماعة داعش اليوم؛ لتبرير التدخلات وتقسيم تركيا، واندلعت بعدها سلسلة من المعارك الروسية - التركية، وكانت الغلبة بنهايتها للروس الذين أجبروا الأستانة على توقيع معاهدة سان ستيفانو المذلة سنة 1878م.

ولكن دهاء السلطان العثماني حينها، ولعبه على وتر العلاقات الدولية وأد هذه المعاهدة سريعاً، وذلك بالتحالف مع الإنكليز ضد الروس، مما جعل بسمارك يخشى من اندلاع حرب روسية - إنكليزية، وبالتالي التأثير على السلم الأوروبي وفشل الاتحاد الألماني لطالما سعى له فدعا لمؤتمر برلين الذي كان نصراً لتركيا ضد روسيا، والذي ألغى أغلب شروط معاهدة سان ستيفانو، باستثناء الغرامة المالية، التي تقدر بـ250 مليون ليرة عصملية، التي أرهقت تركيا، علاوة على التآمر عليها؛ حيث تم الاتفاق بكواليس مؤتمر برلين على تقاسم مصر وبلاد الشام والبلقان بين فرنسا وألمانيا والروس والإنكليز والنمسا، الأمر الذي أثبتته الأيام والعقود اللاحقة.

واندلاع الحرب العالمية الأولى، وخروج الألمان والأتراك والروس من المعادلة الدولية والإقليمية باتفاقية سايكس بيكو؛ حيث كان الإنكليز والفرنسيون يرسمون المنطقة بدهاء وخبث، وحيثما العقلية الاستعمارية تنص أن المنطقة التي تطل على شرق حوض المتوسط، وخصوصاً سوريا وتركيا لا بد أن تكون غير مستقرة؛ لأن من يحكمها يحكم العالم، فلا بد من زرع جسم يكون بؤرة لعدم الاستقرار وذريعة للتدخل بأي وقت.

فكان وعد بلفور، ومعاهدة سيفر، التي تنص الأخيرة على قيام كيان كوردي بكردستان يحقق المطلوب، يتكون من شمال شرق سوريا وشمال إيران والعراق وشرق تركيا، مع ضم ولاية الموصل، ولكن أتاتورك شعر أنه تم خداعه، فقامت تظاهرات ترفض سيفر، ووقف الكرد الوطنيون مع أتاتورك ضد سيفر، وتم توقيع اتفاقية لوزان، مقابل تنفيذ شروط كروزن الأربعة، ولكن أتاتورك قام بمجازر ضد الكرد لاحقاً رغم وقوفهم معه، وبذلك أوجد شرخاً بصميم النفسية الكردية وقابلية للانتقام والاستقلال بأي لحظة، وبالتالي بقاء كردستان بؤرة غير مستقرة.

وهكذا كان للإنكليز والفرنسيين ما أرادوا، وللتنويه بين قوسين - فقد جاء بمذكرات رئيس الشعبة السياسية لحزب البعث بالحسكة بالستينات أن الأكراد هم إسرائيل الثانية ويجب القضاء عليهم- واكتفى الإنكليز حينها بدولة بلفور لتحقيقها الغرض بعدم الاستقرار، وحنثوا بوعدهم للكرد بسيفر؛ حيث وجدوا مصالحهم مع أتاتورك أدسم، وبالحرب الثانية تغيرت موازين القوى العسكرية، وربما الاقتصادية لصالح الأميركان والسوفييت، وأصبحت أوروبا تابعة لهم، بينما تمت إدارة المنطقة والسيطرة عليها من خلال الاستعمار اللامباشر بتنصيب أنظمة عسكرية موالية لهم، والتي استغلت ثورات الشعوب وغفلتها، وتسلمت زمام الحكم، وخصوصاً جيوش دول الطوق الخمس، الشرط الأساسي لاستمرار إسرائيل.

ولكن اندلاع "الربيع العربي" والتآمر عليه، وخصوصاً الثورة السورية، فضح هذه الأنظمة العسكرية ودورها الوظيفي، وأنها ليست إلا أداة للمنظومة الاستخباراتية الدولية التي وضعتها لتركيع الشعوب وتجهيلها وتخلفها، ونهب ثرواتها لصالح من وضعها، ويوضح أن السبب الأوحد لمنع انتصار الثورة السورية هو خروجها عن هذه المنظومة التي تحكم المنطقة، وعدم توافر بديل عسكري للنظام حتى الآن؛ حيث تم الاستغناء عن زين العابدين وحسني المبارك بأشخاص سريعاً، وذلك بسبب بقاء الدولة العميقة بهذه البلاد، والتي تشارف هذه الدولة العميقة على الزوال بسوريا يوماً بعد يوم، بفضل صمود الثورة، رغم فاتورة الدماء والدمار المرتفعة، ولكن الأمر لمصلحة الثورة بالنهاية.

والأمر بليبيا واليمن مشابه لما يحدث بسوريا، وهناك تخوف أميركي وإسرائيلي خاصة من بديل ديمقراطي وطني يحكم سوريا؛ إذ إن استخدام داعش والإسلاميين كذريعة لعدم دعم الثورة ووأدها ليس إلا كذبة ممجوجة، وما حدث بجرابلس واندحار فلول داعش خلال ساعات ليس إلا غيضاً من فيض لتلك المؤامرة، واستخدام داعش كحصان طروادة بليبيا وسيناء والعراق واليمن وبكل منطقة تبشر بولادة نظام ديمقراطي وطني.
وكذلك بزرع دواعش ببعض الفصائل الثورية لتبرير التدخل العسكري وإبادة هذه الثورات، ولسوء حظ أميركا والروس وإسرائيل وربيبتهم إيران أن الشعوب أصبحت واعية لذلك، علاوة على أن أنظمة المنطقة لا تستطيع مجاراة اللعبة الداعشية كثيراً أمام وعي شعوبها.

وما يحدث بالموصل والرقة اليوم؛ حيث تم التسهيل وزرع دواعش للسيطرة والتمدد بهما؛ لتبرير التدخل والبدء بإنشاء دويلة سيفر، بدءاً من الموصل، ولكن أردوغان مدرك لهذه اللعبة؛ حيث فشلت أميركا بالشروع بالانطلاق من سوريا لبدء دولة سيفر على غرار دولة بلفور، مما جعل الخيار الأوحد لهم هو مدينة الموصل، لوصلها بكردستان العراق؛ حيث حقيقة ما يجري بالموصل، ولاحقاً بالرقة، هو تهجير السنة وتسليمها للبشمركة والميليشيات الكردية وغيرها؛ لذلك نجد إصرار الأتراك على المشاركة بتحرير هذه المناطق ببعشيقة والموصل والرقة؛ كي يفسدوا عليهم هذا المخطط؛ حيث أصبح استخدام داعش الإيرانية كحصان طروادة لتبرير وخداع الرأي العام كالنعامة التي تخفي رأسها بالرمال، وتظن أن لا أحد يرى جسمها وجيوشها ومخططاتها.

إن صمود الثورة الأسطوري واستحالة إعادة إنتاج النظام، سواء بترميمه وإبقائه، أو بالحفاظ على الدولة العميقة من خلال ما يسمى الحل السياسي، جعلهم يعملون على خطة أخرى، والتي تقتضي إنشاء كيان غير قابل للحياة، لجعل سوريا المستقبل غير مستقرة وضعيفة؛ حيث مصادر النفط والغاز والمياه والقمح ضمن هذا الكيان، ولا خيار غير دويلة وعد سيفر، التي تسهم أيضاً بإضعاف تركيا وتمزيقها، والخيار الآخر الذي يعمل عليه هو تجديد محاولة الانقلاب العسكري بتركيا، والتخلص من حزب العدالة بالحكم بأي طريقة، كالرهان على الانتخابات التركية المقبلة، فانتصار الثورة السورية يعني تواصلاً تركياً سورياً، وبالتالي ستصبح تركيا وسوريا الثورة جسماً واحداً وقِبلة للشعب العراقي المحكوم إيرانياً، وكذلك للشعب المصري والليبي والفلسطيني واليمني وغيرها من شعوب مظلومة بالمنطقة لمتابعة ثوراتها وإزالة أنظمتها.

وهذا السيناريو الذي غالباً سيكون إذا استمر التآمر العالمي على الشعب السوري وثورته، فهذا زمن الشعوب، وليس الأنظمة الشمولية، وتطبيق سيناريوهات التجهيل بالقرن الماضي على شعوبنا أمر قد ولى بفضل التقدم التكنولوجي والإنترنت وسهولة الحصول على المعلومة الصحيحة، مهما حاولوا تضليلها، ومن يكرر سيناريو القرن الماضي على الربيع العربي اليوم فهو كمن يلعب الشطرنج، بينما اللعبة الحالية بوكر، فلن يستفيد من الحفاظ على الملك بالقضاء على الثورات، فالشعوب لا تزول.

وعطفاً على ذلك، وعلى مقدمة المقال، فعلى الأنظمة الفاعلة بالثورة السورية الإقليمية والدولية إعادة ترتيب أوراقها، وإعادة النظر بتحالفاتها بحيث تسعد شعوبها، وعليها أن توقن أن حلول الأبيض والأسود والاستحواذ على كامل السلة أمر انتهى بعصر وعي الشعوب، فبريطانيا تنسحب من الاتحاد الأوروبي، وتضع بيضها بسلة أميركا لكسر ألمانيا التي أصبحت سيدة القارة العجوز اقتصادياً وسياسياً، ومجلس اللوردات البريطاني يعترف بدولة فلسطين مستقلة وعاصمتها القدس، وهذا مؤشر على حل حتمي للقضية الفلسطينية بالسنوات ليس البعيدة.

وإسرائيل تشرع ببناء جدار عازل بالجولان تحسباً لزوال النظام؛ حيث نحو ثلاثة ملايين صهيوني بدأوا يغادرون إسرائيل وحجر الأساس لعودة نظام الشاه بإيران تم تدشينه بباريس التي صنعت الخميني من قبل، وهناك تسليح للميليشيات الكردية على قدم وساق بشمال إيران والعراق وسوريا وربما بشرق تركيا، التي أهانت الشعب الكردي قبل العربي والرهان على الوطنيين الكرد رهان ناجح، وخصوصاً بتركيا، حيث سياسة أردوغان العادلة والحكيمة معهم رأب صدع الماضي، مما جعلهم يقفون في صفّه بالانتخابات الأخيرة، وغاية تسليح الميليشيات هي التمهيد للحظة الصفر الأميركية بإعلان دولة سيفر التي لن تأتي وستكون سوريا "فيتنام" أخرى لأميركا، ولكن سياسياً هذه المرة.

وعلى الروس مراجعة التاريخ جيداً، وأن لا يكونوا دمية بيد الأميركان بلعب دور القوة الخشنة والمجرمة بحثاً عن أمجاد وهمية لتبييض سمعة أميركا، وقوتها الناعمة التي حسب مؤشر بيو أصبحت بالحضيض، وكذلك الألمان فتاريخهم غير مشجع مع جيرانهم الفرنسيين والإنكليز، وعلى الروس والألمان إنشاء تحالف ثلاثي مع تركيا، فهو الضمانة لهم بعصر الشعوب، فأميركا تتعامل مع الجميع وتقودهم بعقلية الكابويز، فبعدما نجحت بإحداث صراع إيراني عربي بنكهة طائفية، فهي تسعى الآن لإحداث صراع روسي أوروبي بسوريا؛ حيث تتقصد استبعاد الأوروبيين من أي محادثات بشأن سوريا والمنطقة، كما فعلت بلوزان لاستفزازهم لتوريطهم عسكرياً بسوريا ضد الروس، بحيث تدير الجميع بالريموت وشرعية القوة لا قوة الشرعية.

إن التحالف بين الألمان والروس والأتراك يعطي تكاملاً وقوة لهذه البلاد الثلاثة على كل الأصعدة، فانهيار النظام الأسري والاجتماعي والشيخوخة بروسيا وألمانيا يعدلهما التداخل والاندماج التركي والمكانة والعلاقات الدولية والتكنولوجية والعسكري يكملهما النظامان الألماني والروسي، وأن زمن العداوات الأيديولوجية والدينية تم تجاوزه لخير ورفاهية الشعوب، فالبشرية أسرة واحدة إذا أرادوا ذلك، وستعرف أميركا وإسرائيل وحلفاؤهما فرنسا وبريطانيا وروسيا إذا بقيت تدور بفلكهم - ولكن بعد فوات الأوان - أن التماشي مع المخططات الإيرانية لن يجر لهم ولشعوبهم غير الويلات، وأن إيران ولعبة داعش ستنتهي قريباً، وسيضطرون لمواجهة شعوبهم والعالم بوجههم الحقيقي، إذا لم يتداركوا ذلك عاجلاً غير أجل، فالحق قوي بذاته، وهذا سر صمود الربيع العربي وثورة الشعب السوري خاصة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.