المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مهيب نصر  Headshot

إلى العصبي والمقلد الغبي!

تم النشر: تم التحديث:

نذبح اليوم بأيدينا نياط قلوبنا، كلما خرت صواعق جهلنا المتجاسر على كاهلنا. دماء غارقة في ميادين العرب، وحرية متكلسة في صالوناتهم وحروفهم، وجنون فكري أقرب إلى الغباوة، من تفكك أربطة الدماغ وعزوب العقل، زرعنا ألغاماً تحت أقدامنا فتفجرت بنا، ورسمنا خارطة لطوائفنا فتاهت بنا الخرائط كلها، فلم ندرك خارطة الدين، ولا خارطة الطائفة بعد ذلك، وها نحن نسبح في غربة ضاربة في أعماق شعورنا المكلوم، وآهاتنا المبرومة، وكأن هناك مَن يعصرها كلما صعدت من على صدورنا. قتلنا الحياة بخناجرنا المصدئة، فاغتالتنا دون أن نقضي، فكانت حياتنا أشد قباحة من الموت، وأكثر ضياعاً من وجودنا.

دفعتنا العصبية والطائفية إلى نحر الآخر وبقر بطنه، فكان لزاماً أن نجد من العصبية والطائفية الأخرى ذات النحر والبقر، فكَّفرناهم وكَّفرونا، وبدَّعناهم وبدَّعونا، وزندقنانهم وزندقونا، وكانت النتيجة مدوية، جثثاً محروقة ومآقي مجروحة، وحقداً أسود متراكباً، "ومهما احتججت على القدري في قوله: الشر ليس من الله، احتج هو الآخر عليك بقولك: الشر من الله.. وهكذا كلٌّ يحتج على صاحبه، هو مبتدع عندك، وأنت مبتدع عنده". (الغزالي، إحياء علوم الدين).
ويحلو لنا القول إنه مهما احتججت على الشيعي في مسألة المتعة احتج عليك بقول ابن عباس في المشهور عنه بحلها، وبقول الإمام الشافعي في كتابه الأم: "ومَن تأول حراماً عندنا فيه حد، أو لا حد عندنا فيه، لم نرد بذلك شهادته"، فكيف بنا اليوم ونحن نكفر ونخرج من لا يشبهوننا عن الملة كل الملة؟

لقد كان حرياً بالإمام البخاري أن لا يقبل حديث الشيعي والقدري والخارجي وغيرهم؛ إذ كيف له أن يقبل برواية كفار، وعلى شرط مَن؟!

فلم يقل أحدٌ من العلماء قط برواية الكافر. "لا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يستجيزون الكذب مؤازرة لموافقهم" الشافعي.

ومع هذا القول الحميد من الشافعي إلا أن للإمام تاج الدين السبكي كلاماً رصيناً في ذات الصدد "حتى هذه الجملة لا بد أن تفصل، لا نرد رواية من استجاز الكذب بإطلاق، إلا أن يستجيز الكذب في كل شيء، أما إن كان يستجيز الكذب فقط في مسائل مخصوصة، فروايته في هذه الأمور لا تقبل وتقبل فيما عداها".

فما بالنا نهدم هذه الطائفة ونلعنها، ونكفر ذلك الشيخ ونلعنه، على أن الجميع من كلا الفريقين يقولون بالوحدانية، ويقومون بها على تفاوت في الاجتهاد والتأويل. "من أتى شيئاً مستحلاً له ويرى أنه حلال لم تقم عليه الحجة في تحريمه وكان مأجوراً" (ابن حزم، كتاب الإحكام)، ثم يردف قائلاً: "وهؤلاء كالمخالفين من المعتزلة والقدرية والإباضية والنواصب والخوارج.. إلخ، وجميعهم مأجورون".

هؤلاء الأعلام الشوامخ من أهل السنة لم يكونوا مثلنا، في جهالتنا وضحالتنا وهمجيتنا؛ إذ إن غباءنا المستفحل لم يكتفِ بنصب العداء للطائفة الخارجة عن الدائرة التي نقبع فيها، بقدر ما نصبنا العداء للكثير ممن في دائرتنا، فالأشعرية على سبيل المثال عقيدة ضالة مُضِلة، على الرغم من أن أغلب علماء السنة أشاعرة، وكذلك علماء المالكية، وكذلك علماء الحنفية الماترودية مع خلافات طفيفة في مسائل لا تتعدى العشر، ووصل بها البعض إلى أربعين، فبأي معنى هذا البغض الذي يكتنفنا؟ وهذه الفرقة التي مزقتنا؟ وهذا الضياع الذي وجدنا أنفسنا في حضيضه الساحق؟

فلتكُن رسالة إلى الشباب الذين لم تتلوث عقولهم ونفوسهم بهذا الوباء العربي، فالرهان عليهم، والأمل فيهم، أما الديناصورات المشارفة على الانقراض فلا حاجة لهم بما نقول، فهم في سردابهم برفقة الحق الوحيد الأوحد، الذي لو تركوه لضاع الدين وضاعت رسالته الخالدة، أو هكذا يتوهمون، لسنا بصددهم، ولا بمن يترسمون برسومهم من المقلدة والعصبية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.